
انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان أن للقرآن العظيم نحوَه الخاص به، والذي ليس بالضرورة أن يتطابق مع النحو التقليدي الذي افترضنا أن كلَّ كلامٍ عربي لابد وأن يجيء متوافقاً مع ما يقضي به من قواعد وأحكام. فالمثنى في القرآن العظيم يُشار إليه أحياناً بصيغة الجمع. وهذا ما تبيَّن لنا جلياً بتدبُّرنا الآيتين الكريمتين من سورة ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ(21)إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ). فتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين يقودنا إلى تبيُّن هذا الذي أقول به من تمايز بيِّنٍ بين عربية القرآن العظيم والعربية المحكية. فالخصم هنا إثنان من ملائكة الله الكرام، والإشارة إليهما جاءت بصيغة الجمع: “تسوَّروا”، “دخلوا”، “ففزع منهم”.
وقد يظن البعض أن هذا مثالٌ واحدٌ فلا ينبغي والحال هذه أن يُقاس عليه. وهذا ظن في غير محله إذ يكفينا أن نستذكر ما جاءتنا به الآية الكريمة 78 من سورة الأنبياء في سياق الحديث عن سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ). فالإشارة هنا إلى سيدنا سليمان وسيدنا داود عليهما السلام جاءت بصيغة الجمع لا بصيغة المثنى كما تقتضي قواعد لغتنا العربية المحكية.
إذاً لابد لنا من إعادة قراءةٍ لأحكامنا التي أطلقناها على قرآن الله العظيم جزافاً لا لشيء إلا لأننا ظننا وتوهمنا أن هذه الأحكام لا قدرةَ لنَص عربي على أن يخالف عنها! إن تدبُّر القرآن العظيم يوجِب علينا ألا نُحكِّم في آياته الكريمة أحكامَنا التي إن اتفق معها نصُّه المقدس مرة، فهذا لا يعني على الإطلاق أنه لابد وأن لا يختلف معها مرات غيرها.
