
قد يظن البعض أنني أُغالي في التشديد على هذا الذي أزعم به من تمايزٍ قائمٍ بين عربية القرآن العظيم وعربيتنا المحكية. وقد يرى البعضُ أن ليس هناك من داعٍ لأن أُفرِد أكثر من منشور لسوق ما سقتُه من أمثلة على هذا التمايز. فما الذي سيعود علينا إن نحن تبيَّنَّا هذا التمايز؟ ولماذا ينبغي علينا أن نستذكر أن المثنى في القرآن العظيم يُشارُ إليه أحياناً بصيغة الجمع؟ يُجيب على هذين السؤالين استذكارُنا ما جاءتنا به الآية الكريمة 31 البقرة من قصة سيدنا آدم عليه السلام (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). فالله تعالى أشارَ إلى آدم وزوجه بصيغة الجمع: “هؤلاء”. وهذا أمرٌ ليس بالهيِّن، وذلك طالما كان فيه ما فيه من قدرةٍ على إلقاء الضوء على ما حدث في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ نشوء الجنس البشري. فيكفينا أن نستذكر “الغموض” الذي توافقت عليه المقارباتُ التقليدية لقصة سيدنا آدم القرآنية وبالشكل الذي أصبحنا بموجبه غير قادرين على تبيُّن ما تقول به هذه القصة! فمن هم “هؤلاء” الذين تشير إليهم هذه الآية الكريمة؟!
إن الإخفاق في الإجابة على هذا السؤال سينسحب على الإجابة على أسئلةٍ أخرى ذات صلة بالسياق القرآني الذي وردت خلاله هذه الآية الكريمة. لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية من سورة البقرة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ). فما هي هذه الأسماء التي علَّمها اللهُ تعالى سيدَنا آدم عليه السلام؟ ولماذا علينا أن نصدق المقاربات التقليدية التي استفاضت في تبيان من المقصود بهذه الأسماء، والتي جعلتها تشتمل على أسماء كل موجود وكل مخلوق؟!
إن الخطأ الذي وقعت فيه المقاربات التقليدية لهذه الآيات الكريمة يتبيَّن لنا جلياً إذا ما نحن استذكرنا المقطع القرآني الكريم (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ). فهذا النص القرآني واضح الدلالة على أن اللهَ تعالى أمر سيدنا آدم عليه السلام بأن ينبئ الملائكة الكرام عليهم السلام بإسم كل واحد منهم.
وبذلك يتبيَّن لنا بأن لا سبيل إلى تدبُّر القرآن العظيم إلا بإتقان عربيته، وذلك بأن نستذكر على الدوام ما استطعنا تمايزها عن عربيتنا؛ هذا التمايز الذي إن نحن شدَّدنا عليه كان لنا أن نوفَّق بإذن الله تعالى إلى تبيُّن ما ينطوي عليه النص القرآني المقدس من معانٍ ستغيب عنا حتماً إن نحن أصررنا على مقاربته بلغتنا العربية المحكية.
