“اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا” وعربية القرآن العظيم

ذكرتُ في منشوراتٍ سابقة أن تدبُّر القرآن العظيم يقتضي منا أن نُتقِن عربية هذا القرآن، والتي هي تتمايز عن لغتنا العربية المحكية تمايزاً إن نحن لم نُشدِّد عليه ونقدره حقَّ قدره انتهى بنا الأمرُ إلى الإخفاق التام في تبيُّن ما ينطوي عليه النصُّ القرآني المقدس من معانٍ لا سبيل للوقوع عليها إلا بقراءته وفقاً لهذه العربية القرآنية التي أُشدِّد على وجوب إتقانها. ومن بين الأمثلة العديدة، التي بالإمكان سَوقُها للتدليل على ما لتمايُز لغةِ القرآن العظيم عن لغتنا العربية المحكية من عظيم دورٍ في تبيان معنى النص القرآني المقدس، ما جاءتنا به قصةُ سيدنا آدم القرآنية والتي توزَّعت على عدة سِوَر منها سورة البقرة وسورة الأعراف وسورة طه. فوفقاً لهذه القصة القرآنية فإن اللهَ تعالى خاطبَ آدمَ وزوجه في صيغة الجمع، وذلك في إشارةٍ من القرآن العظيم إلى ما سيتحتَّم على ذريتهما أن تواجهه بُعيد هبوطهما الأرض. لنتدبَّر المقاطع القرآنية الكريمة التالية: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (من 36 البقرة)، (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) (من 38 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).

يتبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم من مقاطع قرآنية كريمة أن اللهَ تعالى بخطابه آدمَ وزوجه بصيغة المثنى -الجمع، إنما يؤكد هذا الذي سيتعيَّن على الجماعة الإنسانية أن تجابهه من بعد ما حدث لكل فردٍ من أفرادها بسببٍ من أكل أبوينا من شجرة الجنة التي نُهيا عنها.

ولقد أدى الإخفاق في تبيُّن ما تتمايز به عربية القرآن العظيم عن لغتنا العربية المحكية إلى إخفاقٍ في فقه ما تنطوي عليه قصة سيدنا آدم القرآنية من معانٍ ودلالات غابت عنا بسببٍ من هذا الإخفاق، والذي تضاعف أضعافاً مضاعفة من بعد أن أدى إصرارُنا على قراءة هذه القصة القرآنية بعربيتنا نحن إلى خلط الأوراق بعضها ببعض، وإلى وقوعنا في خطأ الظن بأن المخاطَب بصيغة الجمع هو ليس آدم وزوجه وذريتهما، ولكن آدم وزوجه والشيطان! أنظر كيف جنى هذا الإخفاقُ من جانبنا في تبيُّن ما لعربية القرآن العظيم من تمايزٍ عن عربيتنا المحكية على معنى قصة آدم القرآنية، والذي كنا سنقع حتماً عليه لو أننا قرآناها بعربية القرآن لا بعربيتنا نحن!

أضف تعليق