
تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن تدخل الله تعالى غير المباشر وكيف أن هذا التدخل هو الذي يكفل للسموات والأرض أن تتماسكا وذلك بإمساك الله تعالى لهما حتى لا تزولا. ولقد ذكرتُ في غير منشور أن إمساك الله بالسموات والأرض متحققٌ بما لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يُحصيه من أسبابٍ خلقها تعالى وسلَّطها عليهما متوارياً من وراء هذه الأسباب بتلطُّفٍ وتخفٍّ فلا قدرةَ والحالُ هذه لأحدٍ من خلقه على أن يستشعر تواجده اللطيف الخفي هذا. كما وأسهبتُ في تبيان كيف أن وجود الله تعالى خارج السموات والأرض هو الذي أتاحَ لهما أن تتواجدا، إذ لا قدرةَ لمخلوقٍ مهما اتسع وامتد جرمُه على أن يصمد بتجلِّي اللهُ تعالى له بأكثر مما يتطلبه تماسكُه وبقاؤه في هذه الحياة الدنيا. وبذلك فقد قدمت من الأدلة والبراهين ما هو كافٍ لنستيقن من أنَّ هذا الوجود ما كان له أن يتحمَّل تدخلاتٍ إلهيةٍ مباشرة إلا بقدر معلوم قدَّره اللهُ نعم القادرين.
وبذلك يتبيَّن لنا لمَ كان حقيقاً على الله تعالى أن يقصرَ تدخُّلَه الإلهي المباشر في سير أعمال الوجود على ظواهر بعينها. فظواهر التدخل الإلهي المباشر، من معجزاتٍ وكرامات وغيرها من خوارق العادات، هي ظواهر بحكم التعريف نادرة الحدوث، وذلك بسببٍ من “تقنين” إلهي نظَّم اللهُ تعالى وفقاً له أحداث هذا الوجود في هذه الحياة الدنيا حتى يكون الغالبَ الأعم منها هو هذه “الظواهر المعجزة” والتي لا قدرةَ لعقولنا على أن تُعلِّل لحدوثها طالما استحال على هذه العقول أن تُقاربها إلا بمنظومةٍ معرفيةٍ شيَّد أركانَها واقعُ وظاهرُ هذه الحياة الدنيا.
