
لماذا يُشدِّد التصوف على مسألة “الإنسان الكامل”؟!
بدايةً لابد وأن أُشير إلى أن عبارة “الإنسان الكامل” تُذكِّر بالتصوف شئنا أم أبينا. فالتصوف إذ هو منهاجٌ تعبدي قائمٌ على أساسٍ من إتقان التديُّن بدين الله تعالى انضباطاً بمنهاج الإسلام التعبُّدي وامتثالاً لكلِّ ما جاء به الدينُ الإلهي من شرعةٍ ومنهاجٍ وأوامرَ ونواهٍ، فإنه والحالُ هذه يقتضي من المتصوف أن يضع نُصب عينيه هدفاً يسعى ما استطاعَ للوصول إليه. والتصوف إذ هو يستند إلى تدبُّر القرآن العظيم في صياغة نظرته إلى الإنسان، فإنه لا يملك إلا أن يقول في الإنسان ما يقوله قرآنُ الله العظيم. فالإنسان، وفقاً لقرآن الله العظيم، مخلوقٌ مبتلى بنفسٍ وهوى إن هو لم يضطرهما إلى عبادة الله تملكاه واستعبداه وقاداه إلى الضلال لينتهي به الأمر من بعدُ إلى أن يعيش حياته الدنيا معيشةً ضنكاً، وإلى أن يُخلَّد من بعدها في نارِ جهنم أبداً.
ولذلك لم يكن أمام التصوف إلا أن يُشدِّد على ألا مفر للإنسان، بهذا الذي جُبل عليه وابتُلي به، من أن يسعى السعي الدؤوب، وأن يجتهد الاجتهاد الحثيث، حتى يرتقي بحاله فيصِل إلى مصاف الإنسان الكامل الذي يكفي لتعريفه أن نستذكر ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم من توصيفاتٍ للإنسان؛ فالإنسان في القرآن العظيم يئوسٌ قنوطٌ كفورٌ ظلومٌ جهولٌ! والإنسان الكامل هو الإنسان الذي نجح في التخلُّص من كل ما يُشين ويُعيب الإنسان كما استفاض في التعريف به قرآن الله العظيم. والمتصوف هو الساعي بجد واجتهاد للوصول إلى هذا الحال المتميز مع الله تعالى والذي لا وصول إليه إلا بالتخلص من كل ما يجعل من الإنسان إنساناً. فالإنسان، على ما هو عليه، مخلوقٌ يعتوره النقص الذي تحتَّم عليه أن يعانيه ويكابده جراء أكل أبوينا من شجرة الجنة التي نُهيا عنها. ولا سبيل أمام الإنسان لينزع عنه لباسه الذي ألبسته إياه بلواه بنفسه وهواه إلا بتقوى الله. فتقوى الله هي ما يتعيَّن على الإنسان أن يكون عليه حاله مع الله. ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يعي الإنسان ما هو عليه من سيء حالٍ مع الله، وأنه مضطرٌّ لذلك إلى أن يبذل جهده حتى يكون كما يريده الله: إنساناً كاملاً بلا نقائص.
إن تدبُّر القرآن العظيم لابد وأن ينتهي بنا إلى أن ننظر إلى الإنسان فنراه على ما هو عليه حقاً وحقيقة دون أن يخالط نظرتنا هذه ما تضيفه النفسُ ويزيِّنه الهوى. وبذلك سوف يكون لزاماً علينا أن نتخذ القرار الصائب الوحيد حيال ما انتهينا إليه بتدبُّر ما جاءنا به قرآن الله العظيم من حقائق عرَّفتنا بما نحن عليه من سيء حالٍ مع الله تعالى بسببٍ من كون الواحد منا إنساناً. وعندها، وعندها فقط، سيتبيَّن لنا لماذا يتوجب علينا أن نلزم عبادة الله تعالى بإجادةٍ وإتقان، ولماذا يقتضي الأمر منا أن نبذل الجهد الجهيد حتى ننزع عنا “لباس الإنسان” لعل اللهَ تعالى أن يلبسنا لباس تقواه فنصبح “الإنسان الكامل” الذي خُلقنا لنكونه.
