
يُخطئ الإنسان إذ يظن ويتوهَّم أن ما عنده من العلم هو كل ما هنالك من علم، وألا علمَ هناك بعيداً عن متناول يديه! ولقد جاءنا دينُ اللهِ تعالى بما عرَّفنا بأن هناك من العلم ما لا قدرةَ لإنسانٍ على أن يحيط به إلا بإذن الله. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه إذا ما نحن تدبَّرنا ما جاءتنا به سورتا الكهف والنمل (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)، (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي).
فالعلم الذي تتحدث عنه هاتان الآيتان الكريمتان متعالٍ عن العلم الوضعي الذي تسنَّى لعقل الإنسان أن يضعه ويصيغه جراء تفاعله مع واقعه؛ هذا الواقع الذي أبداً لن يكون بمقدوره أن يُجلِّي كلَّ ما في الوجود من حقائق وأسرار. فهذا الوجود منطوٍ على حقائق وأسرار ومعارف وعلوم لا يملك ناصيتَها إلا اللهُ تعالى، وهو إن شاء يعلِّم مَن يشاء ما شاءَ من هذه الحقائق والأسرار والمعارف والعلوم. وهذا أمرٌ لا يجادل فيه إلا مَن توهَّم العقلَ البشري إلهاً ونسي أن اللهَ تعالى أكبرُ من تصوُّراتنا وخيالاتنا، وأنَّ العلمَ الحق بحرٌ شاطئه هو ما تسنّى لعقلنا المحدود أن يحيط به وأنَّ ما خفيَ عنه لابد وأن يكونَ أعظم!
