
اعوجَّ لسانُنا العربي على مر الزمان فأصبحنا غير قادرين على أن نتدبَّر القرآن بقراءته بلسانِه العربي المُبين. وهذا أمرٌ ليس بالعسير إخفاؤه وذلك بشهادةٍ من هذا الإخفاق من جانبنا في تبيُّن ما انطوى عليه النص القرآني المقدس من معانٍ كنا لنُحيط بها لو أننا قرأناه بلسانِه العربي المبين. فالقرآن العظيم أنزلهُ اللهُ تعالى بلسانٍ عربي غير معوج كلساننا الذي نُصِرُّ على أنه يتحدث بلغةٍ لا اختلافَ على الإطلاق بينها وبين لغة القرآن العظيم! ولقد حرص اللهُ تعالى على أن يبيِّن لنا هذا الذي ميَّز به قرآنَه العظيم فجعل لسانَه العربي متمايزاً عن لساننا وإن تحدَّث بلغةٍ نظنها ونتوهمها أنها لغةُ هذا القرآن: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) (1 الكهف)، (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون. قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون) (28 الزمر).
وهكذا يتبيَّن لنا، من بعد إمعانِ نظرٍ وإعمال فكرٍ في هذا الذي نحن عليه من حالٍ مع الله تعالى، أن هناك ما ينبغي علينا أن نقوِّمه من لساننا وتفكيرنا، هذا إن نحن أردنا أن نُصلح ما فسد من أمرنا فيكون لنا أن نقاربَ القرآنَ العظيم كما أُمرنا: تدبُّراً لآياتِه الكريمة وإقامةً لها بما يُرضي الله. فاعوجاج اللسان لابد وأن ينجم عنه فهمٌ معوَج بالضرورة. ونحن إن أردنا أن نفقه ما جاءنا به من عند الله تعالى قرآنُه العظيم فلابد لنا وأن نتدبَّر آياتِه الكريمة فنقرأها بلسانٍ غير معوج وبفكرٍ خالٍ من الاعوجاج هو الآخر.
وهكذا يتبيَّن لنا السبيل إلى علاقةٍ صحيحةٍ مع القرآن العظيم تبتدئ بتقويم ما اعوجَ من لساننا وفكرنا حتى تكونَ مقاربتُنا لنَصِّه الإلهي المقدس هي المقاربةُ المثلى وذلك بأن نقرأه بلسانه العربي المبين فيعود ذلك علينا بما يجعل من فقهنا لما انطوى عليه هذا النَص من معانٍ جليلة هو الفقه الأمثل.
