معنى “هداية النجدين”

يخفق كثيرٌ منا في تبيُّن ما انطوى عليه الكثير من آيات القرآن العظيم من جليل المعاني، لا لشيء إلا لأننا لا نحسن تدبُّرها إذ نقرأها بغير ما تنزَّلت به من لسانٍ عربي مبين. ولقد انتهى بنا هذا الإخفاق في تدبُّر هذه الآيات الكريمة إلى وقوعنا على ما ظننا أنه معناها الذي هو في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. ومن ذلك ما وقر لدى البعض منا من أن اللهَ تعالى بقوله في قرآنه العظيم إنه “هدى الإنسانَ السبيلَ”، وإنه “هداه النجدين”، إنما يكون قد أنعمَ على هذا الإنسان بنعمة الهداية! وهذا الظن الواهم يوقع أصحابه في تناقضٍ بيِّنٍ جلي: إذ كيف يُنعم اللهُ على الإنسان بالهداية ثم يعود فيطالبه بأن يهتدي إليه؟!

ولقد كان يكفي هؤلاء الذي يصرُّون على أن يقرأوا قرآنَ الله العظيم بلسانٍ معوَج، وبفكرٍ يفوقه اعوجاجاً، أن يستذكروا ما جاءتنا به سورة البقرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فاللهُ تعالى هدى الإنسان السبيل وهداه النجدين وذلك بأن بيَّن له ما سيترتَّب على اتِّباعه هَديَه من فوزٍ بالسعادة في الدارين، وما سينجم عن إعراضه عن هذا الهَدي من شقاءٍ له فيهما. وهذا كل ما في الأمر وليس لنا أن نفرض على قرآن الله العظيم ما يجعل من معنى نَصِّه الإلهي المقدَّس لا يخالف عما نظن ونتوهم! فهذا هو الضلالُ المبين بعَينه والعياذ بالله.

أضف تعليق