
فاتح اللهُ تعالى ملَأَه الأعلى بأمر خلقِه سيدنا آدم عليه السلام وقال لهم إنه خالقُه من طين، وإنه آمرهم بالسجود له ما أن يُسوِّيه وينفخ فيه من روحه (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (28 -29 الحجر). ولقد امتثلت ملائكةُ الله الكرام عليهم السلام لأمره تعالى بالسجود لآدم فسجدوا له إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (30 -31 الحجر). ولقد علَّل إبليس لهذا العصيان منه لأمر الله تعالى له بالسجود لآدم بأنه ما كان ليسجد لهذا الكائن المخلوق من صلصال من حمأ مسنون (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِين. قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (32 -33 الحجر). وبذلك فلقد فات إبليس أن هذه ليست بالحجة الدامغة وإنما هي حجةٌ باطلةٌ داحضة طالما أن اللهَ تعالى قد سبق وبيَّن أن هذا المخلوق الجديد سيميِّزه بنفخةٍ فيه من روحه! فهذا المخلوق الجديد لا يكفي للتعريف به أن يُصار إلى قصر هذا التعريف على خلقته الطينية فحسب، إذ أن تمام التعريف به يقتضي وجوب أن يُستذكر أنه مخلوقٌ قد شرَّفه الله تعالى بالنفخ فيه من روحه.
وهكذا جرَّ إبليس على نفسه ما جرَّ من مقت الله وعذابه بسببٍ من تكبُّره وغروره اللذين تسببا بدورهما في إخفاقه في استذكار ما كان ليجعل منه يسارع إلى الامتثال لأمر الله تعالى فيسجد لآدم كما أُمر.
