إنسانُ “كن فيكون”

انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان ما بين سيدنا آدم عليه السلام وكل فرد من أفراد ذريته من تشاركٍ قدري حتَّمته الخِلقة الترابية لكلٍّ، وما أوجبته تلك الأكلة من شجرة الجنة التي نُهي عنها هو وزوجه. فنحن بشرٌ خُلقنا من تراب كما خُلق سيدنا آدم عليه السلام (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُون) (20 الروم). وهذه “الخِلقة الطينية” اقتضت أن يبتدئ الإنسانُ رحلةً تطورية انتهت به في جنةٍ عند الله تعالى قضى فيها ما شاء له الله، ثم كان ما كان وتحتَّم عليه أن يغادرها ليعود إلى الأرض فيحيا فيها ويموت ثم يُبعث منها يوم القيامة (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون) (2 الأنعام). فالخِلقة الإنسانية اقتضت من الزمان أحقاباً لا يُحيط بآمادها إلا الله الحكيم الخبير. وتخلُّق الإنسان امتد لآجالٍ توجَّب عليه أن يشهدها مذ بداية رحلته التطورية من طين هذه الأرض، مروراً بكل ما قُدِّر له أن يمر به من مراحل تطورية، وانتهاءً بالمدة التي قضاها في جنة السماء السابعة، أقرب جنان الله في هذه الحياة الدنيا إلى عرشه العظيم.

وإذا كان سيدنا آدم عليه السلام قد استدعى إتمام تخلُّقه أن يُصار إلى تشرُّفه بنفخ الله تعالى فيه من روحه، وذلك بقوله له “كن فيكون”، فإن ذريته لم تنل ما ناله من تشريفٍ إلهي بهذه النفخة الإلهية المقدسة، وذلك لأن الله تعالى سبَّب الأسباب وسلَّطها على هذا الوجود ليتسنى لهذه الذرية أن تتخلَّق بتدخُّلٍ غير مباشر من لدنه تعالى بوساطةٍ من هذه الأسباب. فكلنا معشر البشر جئنا إلى هذه الدنيا بتفاعلٍ جرى بين أسبابٍ سبَّبها مسبِّب الأسباب الله تعالى جدُّه إلا مَن لم يكن ليجيء إلى هذه الدنيا لولا تدخُّلٍ إلهيٍ مباشر بقوله له “كن فيكون”. وهؤلاء الذين تحقَّق تخلُّقُهم بهذا التدخُّل الإلهي المباشر بقول “كن فيكون” هم مَن يصحُّ فيهم أن نسمي واحدهم “إنسان “كن فيكون””. وقد جاءتنا الآية الكريمة 59 آل عمران بخبر واحدٍ منهم هو سيدنا عيسى عليه السلام (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). فسيدنا عيسى عليه السلام تحقَّق تخلُّقُه بنفخ الله تعالى في أمه السيدة مريم عليها السلام من روحه بقوله له عليه السلام “كن فيكون”.

ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن كلاً من سيدنا إسحق وسيدنا إسماعيل وسيدنا يحيى عليهم السلام هو أيضاً إنسانٌ ما كان ليجيء إلى هذه الدنيا لولا قول “كن فيكون”.

أضف تعليق