
يأبى الإنسانُ إلا أن يقارب كلَّ شيء بعقلِه المتأجِّج زهواً والمتوهِج غروراً والمُتقِّد خيلاء! فالشيء لابد وأن يكون كما يتصوَّره هذا العقل، ولا وجود للشيء إلا بما أسبغه عليه من صفاتٍ وخصائص هي عنده ما يُعرِّفه التعريف الأمثل! ولقد عادَ هذا الانصياع منا لما تُمليه علينا عقولنا بما جعل منا عاجزين عن أن نعبدَ الله تعالى دون أن يخالطَ عبادَتنا ما تفرضه علينا نفسٌ وهوى هما علة هذا الذي جعلنا بانصياعنا وامتثالنا لهما نخفق في تنزيه الله تعالى عن الظنون والأوهام. ومن ذلك إخفاقنا في إدراك أن اللهَ تعالى يفعل ما يفعل في هذا الوجود وفق قوانين إلهية لم يُقدَّر لنا أن نحيط بها على ما هي عليه. ولقد تسبَّب هذا الإخفاق في جعلنا نظن بالله تعالى غير الحق، ظن الجُهال به، فاختلط علينا الحابلُ بالنابل وفاتنا بذلك أن نستذكر أن لله تعالى طريقةً في التعامل مع هذا الوجود ليس لنا أن نُفصِّل ما انطوت عليه من خبايا وخفايا وأسرار! فالله تعالى نظم الوجود وسيَّر أحداثَه بأسبابٍ خلقها وكفَّلها هذا الوجود حتى يستقيم أمره وتحدث وقائعه وأحداثه وظواهره وفقاً لما قضت مشيئته. ولذلك قنَّن اللهُ تعالى من تدخُّله المباشر في سير أعمال هذا الوجود فلا يكون والحالُ هذه له تعالى أن يتدخَّل بقول “كن فيكون” إلا بأقل قدرٍ ممكن. وهذا أمرٌ غابَ عنا إذ أن تصوراتنا عن الله تعالى جعلتنا نخطئ فنظن أن اللهَ تعالى لم يُلزم نفسَه بقوانينه الإلهية التي هي عنده على درجةٍ من القداسة فلا يعطِّل منها إلا ما اقتضت الضرورة القصوى ذلك فيتجلى عندها، وعندها فقط، تدخُّلٌ إلهي مباشر من لدنه تعالى بقول “كن فيكون”.
وهكذا يتبيَّن لنا أن التدخُّل الإلهي المباشر في سير أعمال هذا الوجود مُقنَّنٌ وأن أفعال “كن فيكون” مقننةٌ هي الأخرى.
