
انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان خطأ تصوراتنا عن الله تعالى الذي لم يجعل علاقته بهذا الوجود تحددها تصوراتنا وظنوننا وأوهامنا! فهذا الوجود سبقنا إلى الوجود، وسبقنا بذلك أيضاً النظام الإلهي الذي فرضه الله تعالى عليه قوانينَ إلهيةً فلا قدرةَ له والحال هذه على أن يخالف عن أمرها في صغيرةٍ أو كبيرة. ولذلك فلقد أخفقنا في تبيُّن هذه العلاقة لله تعالى بالوجود فعادَ ذلك علينا، وبما جعل منا لا نحسن التأدُّب مع الله تعالى بهذا الذي نحن عليه من مسارعةٍ إلى الاعتراض على ما لا قدرةَ لنا على فقهه من أحداث هذا الوجود الذي أخفقنا في إدراك أن اللهَ تعالى لم يخلقه “متكيفاً” مع تصوراتنا وأحكامنا التي تفترض أن هذا أو ذاك من وقائعه وأحداثه وظواهره كان ينبغي أن يحدث أو لا يحدث!
فاللهُ تعالى قنَّن من تدخُّله المباشر في سير أحداث الوجود، وذلك لأنه كفَّل هذا الوجود من الأسباب ما هو كافٍ لينتظم عقد ما يحدث فيه فلا يستدعي الأمرُ من بعد هذا التنظيم الإلهي أن يتدخل اللهُ تعالى تدخلاً مباشراً إلا إذا ما اقتضى الأمرُ ذلك. وهذا التقنين لتدخُّل الله تعالى المباشر في سير أعمال الوجود هو تقنينٌ لقول “كن فيكون”؛ هذا القول الإلهي الذي ألزمَ اللهُ تعالى نفسَه بأن لا تشهدَ الحياةُ الدنيا من تجلياته إلا النزر اليسير.
وبذلك يقدِّم لنا تبيُّنُ هذا الذي هو عليه حالُ الوجود من تمام الانصياع والامتثال للنظام الإلهي الصارم الذي فرضه اللهُ تعالى عليه ما يُمكِّننا من أن نفقه العلةَ من وراء افتقار حياتِنا إلى “الأحداث العظام الجسام”؛ هذه الأحداث التي تحفل بها عادةً الأفلام والمسلسلات التي حرصَ صانعوها على أن يجعلوها ترفل بسلسلةٍ متتابعة من “الأحداث القوية” وذلك بغية اجتذاب اهتمامنا بها وضمان متابعتنا لها! فحياتُنا الواقعية تكاد تفتقر إلى ما تتميز به هذه الأفلام والمسلسلات من تتابعٍ للأحداث يأخذ الأنفاس! فحياتُنا الدنيا هذه لا تحفل بوقائع وأحداث وظواهر “كن فيكون”، ولذلك فهي رتيبةٌ مملة بالمقارنة مع الحياة في الأفلام والمسلسلات!
إن ظواهر “كن فيكون” مُقننة بقانونٍ إلهي صارم لا تملك حياله إلا أن تجيء متوافقةً مع ما يقضي به، ولذلك فإن مَن أراد أن تحفلَ حياتُه في هذه الدنيا بهذه الظواهر المعجزة فإن عليه ألا ينسى أن حدوثها مشروطٌ بشرائط “العبادة المثلى” والتي لا سبيل إليها إلا بتقوى الله حقَّ تقاته. عندها، وعندها فقط، يكون للواحد منا أن يأمل بأن لا تكف ظواهر التدخل الإلهي المباشر عن الحدوث في حياته وذلك طالما كان هو نِعم العبد المتزوِّد بخير الزاد: التقوى.
