
لابد للمتدبِّر في حال الإنسان من أن ينتهي به تدبُّره إلى الوقوع على حقيقةٍ مفادها أن هنالك شيئاً ما غير صائب يعتور هذا الحال! فالإنسان يتمايز عن غيره من المخلوقات البايولوجية بما يجعل من المتدبِّر في أحواله يعجب لهذا الذي هو عليه من شديدِ تشابهٍ مع الحيوان ومن عظيم تناشزٍ عنه في الوقت ذاته! فلماذا يمتازُ الإنسان عن الحيوان بكل هذا القدر من عدم القدرة على التكيُّف مع المحيط؟ فالحيوان متوافقٌ تمام التوافق مع بيئته التي خلقه اللهُ تعالى ليعيش فيها. أما الإنسان، فيحق للمرء المتدبِّر في أحواله أن يعجب لانتفاء وجود هذا التوافق بينه وبين بيئته، والذي يتجلى بهذا العجز منه عن أن يكون مرتاح البال والحال! فلماذا ينعدم التوافق بين الإنسان وبيئته؟ وكيف لنا أن نعلِّل لغياب هذا التوافق طالما كان من المفروض، والمفروغ منه، أن الله تعالى خلق الإنسان ليعيش في تمام التوافق والانسجام مع بيئته؟!
تخفق كل محاولات الإجابة على هذا اللغز، وذلك طالما أنها لم تأخذ بنظر الاعتبار حقيقة كون الإنسان لم يأتِ إلى هذه الدنيا دون تدخلٍ من لدن الله تعالى، وذلك كما يحلو للعلم الوضعي أن يظن ويتوهم! فلو أن الإنسان كان حقاً كما يزعم العلم الوضعي، لما شابَ علاقتَه بمحيطه هذا الانتفاء لوجود التوافق بينهما! ولو أن الإنسان لم يكن كائناً قد خلقه اللهُ تعالى، كما يزعم هذا العلم، لتوجَّب عليه أن يعيش متوافقاً مع بيئته توافق الحيوان مع بيئته! إذاً فلابد من أن ينتهي بنا التفكُّر في حال الإنسان مع بيئته إلى وجوب الإقرار بأنه لم ينشأ عنها النشوءَ الذي يُصرُّ عليه العلمُ الوضعي وإلا لكان ما بين الإنسان وبيئته من العمار ما ليس هو عليه الحال الذي نلمسه ونراه!
إذاً فلا مناص لنا من أن نُقِر بأن عجز الإنسان عن الانسجام والتوافق مع بيئته مردُّه هو هذا الذي أخفق في القيام به وذلك حتى يكون له أن يعيش متوافقاً معها. فاللهُ تعالى خلق الإنسان بـ “برنامجٍ خاص” إن هو لم يختَر أن يقوم بـ “تفعيله” عادَ عليه ذلك بكل ما يجعل منه عاجزاً عن أن ينسجم ويتوافق مع بيئته. فالإنسان لم يُخلق ليعيش دنياه كما يعيشها الحيوان، وإلا لما كان على هذا القدر من العجز عن الانسجام مع بيئته! فالإنسان خلقه الله تعالى ليعبده، فإن هو لم يقم بتنفيذ ما خُلق للقيام به، فإن ذلك سيؤدي لامحالة إلى هذا الذي يجعل منه غير منسجم مع بيئته.
