“أحسنها” مفاضلةً مع غيرها لا فيما بينها!

تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن جوانب مما تتمايز به لغةُ القرآن العظيم عن لغتنا العربية المحكية شددتُ فيها على أن الإخفاق في قراءة آياته الكريمة بلسانها العربي المبين لابد وأن ينجم عنه فشلٌ ذريعٌ في الإحاطة بما تنطوي عليه من معنى كنا لنتبيَّنه لو أننا تخلَّينا عن ظنوننا وأوهامنا حيال النص القرآني المقدس الذي أبداً لن تتكشف لنا أسرارُه قبل أن نستيقن من أن عربيته قد تختلف عن عربيتنا المحكية اختلافاً كبيراً للغاية.

وفي هذا المنشور سوف أقوم بتدبُّر الآية الكريمة 145 الأعراف (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ). فما الذي تعنيه كلمة “أحسنها” في هذه الآية الكريمة؟ تفشل المقاربة التقليدية في تدبر المعنى الذي تنطوي عليه هذه الكلمة القرآنية الجليلة. فـ “أحسنها” لا تشير من قريبٍ أو بعيد إلى مفاضلةٍ بين ما تتضمَّنه النصوص الإلهية المقدسة التي سطرتها على الألواح يدُ العزة الإلهية أماماً من ناظرَي سيدنا موسى عليه السلام كما نظن ونتوهم! صحيحٌ أن “أحسنها” مفاضلةٌ، ولكنها مفاضلةٌ مع “غيرها” وليس “فيما بينها” كما شاع فينا وراجت مقارباتٌ لم تتبيَّن هذه الآية الكريمة بلسانٍ عربي مبين! فالتعبير القرآني يتمايز عن غيره بأن له أن يُضمِر ويُبطِن ما لا يُعلِن ويُظهِر. فالعبارة القرآنية الجليلة (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) في هذه الآية الكريمة ينبغي أن تُقارَب فتُفهَم على أنها تعني: “وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا شرعةً ومنهاجاً وطريقة”. فلا يُعقَل أن يأمُر اللهُ تعالى بأن يفاضل الإنسان بين ما جاءه من عند الله من أوامر ونواه حتى يقول له “خذ بأحسنِ ما جاءك من عندي”!!!!!!!! فكل ما جاء من عند الله هو حسنٌ ولا يمكن أن نفاضل بينه وبين غيره مما جاءنا من عند الله، إذ أن المفاضلة لا تكون إلا بين ما جاءنا من عند الله كلاً واحداً وبين غيره مما هو من عند غير الله!

أضف تعليق