“ثم أنشأناهُ خلقاً آخر”

تتحدث سورة المؤمنون عن مراحل “تخلُّق” سيدنا آدم عليه السلام خلقاً من بعد خلق: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (12 -14 المؤمنون). فالإنسان المقصود بهذه الآيات الكريمة هو أول البشر سيدنا آدم عليه السلام. وتخطئ كل مقاربة لهذه الآيات الكريمة تتوهم الإنسان المذكور فيها فتظنه الإنسانَ بعامة، وأنها بذلك تتحدث عن كل واحد من أفراد الجماعة الإنسانية إلى يوم الدين! وهكذا قراءة للنص القرآني المقدس هي أبعد ما تكون عن التدبُّر الذي أمرنا اللهُ تعالى به (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص). فهكذا قراءة للنَص القرآني المقدس تنتهي بنا لا محالة إلى الوقوع على ما نظن أنه معناه، وهو في حقيقة الأمر ليس كذلك! فـ “الإنسان” في هذه الآيات الكريمة هو سيدنا آدم عليه السلام الذي جعله الله في الأرض “خليفة” بمعنى هو غير المعنى الذي شاع فينا وراج! فنحن دأبنا على أن نقرأ آية آدم الخليفة، (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة)، قراءةً مغلوطةً وذلك باعتبارنا أن الخليفة المقصود هو آدم وكلُّ فردٍ من بَنيه إلى يوم القيامة! وهذا أمرٌ لا يحتمله معنى هذا النص القرآني المقدس الذي لا يتحدث إلا عن سيدنا آدم عليه السلام فحسب!

ونحن إذا ما تدبَّرنا ما تقدم من آياتٍ كريمة من سورة المؤمنون فلابد وأن تستوقفنا العبارة القرآنية الجليلة “ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر”. فما الذي تقصد إليه هذه العبارة الكريمة؟ يُعيننا على تلمُّس إجابةٍ على هذا السؤال أن نستذكر ما جاءنا به قرآنُ الله العظيم من تفاصيل “تخلُّق” سيدنا آدم عليه السلام في موطنٍ آخر: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (71 -72 ص). إذاً فاللهُ تعالى “خلق” سيدَنا آدم من طين، ولكن “تخلُّقَه” لم يكتمل إلا من بعد أن سواه اللهُ ونفخَ فيه من روحه. وهذا أمرٌ عظيم الدلالة إذ أن تلك “التسوية” و”النفخ” في آدم من روح الله هما اللذان صيَّرانه إنساناً كاملاً في أحسن تقويم، وذلك بقول الله تعالى له “كن فيكون”.

إذاً فإنشاء الله تعالى لسيدنا آدم عليه السلام “خلقاً آخر” كان بجعله إياه هذا الإنسانُ الكامل في أحسن تقويم، وهي “خِلقةٌ” فريدةٌ متمايزةٌ عن كلِّ ما سبق وأن خلقه الله تعالى. وهذا “التمايز الخَلقي” حازه سيدُنا آدم عليه السلام وذلك بتشرُّفه بنفخ الله تعالى فيه من روحه؛ تلك النفخة الإلهية المقدسة التي باركته وجعلت منه “خلقاً آخر” غير كلِّ ما سبقه من خلق الله.

وبذلك يقدِّم لنا القرآنُ العظيم العلةَ من وراء تمايز آدم عمن سبقه من مخلوقاتٍ بايولوجية. فلولا نفخُ اللهُ تعالى من روحه في سيدنا آدم عليه السلام لما كان له أن يظهر إلى الوجود مخلوقاً فريداً متمايزاً عمن سبقه من مخلوقاتٍ بايولوجية. فلولا نفخةُ اللهِ تعالى تلك لما تسنى “للتخلُّق الآدمي” أن ينتهي بسيدنا آدم عليه السلام إنساناً كاملاً في أحسن تقويم حتى ولو طالَ الأمدُ بهذا التخلُّق وامتد ملايين ملايين ملايين السنين إلى يوم القيامة!

أضف تعليق