
قد يجد البعض فيما أقول به من رحلةٍ لسيدنا آدم عليه السلام من هذه الأرض، التي هي أرض السماء الدنيا، إلى أرض أخرى هي أرض السماء السابعة، ما يتناقض مع ما ينبغي أن نستخلصه من معنى انطوت عليه آية آدم الخليفة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة).
بدايةً لابد لي من أن أشدِّد على أن هذا التناقض ليس له أي أساس من الصحة وذلك طالما كانت تلك الرحلة الفضائية معراجاً إلى السماء هو في حقيقة الأمر أول معراج قام به واحدٌ من غير الملائكة والروح. فاللهُ تعالى أنبأنا في قرآنه العظيم أن الملائكة والروح تعرج إليه. وكلمة “إليه” تعني إلى أرض السماء السابعة التي فيها جنته المطلُّ عليها عرشُه العظيم، والتي هي أقرب جنان السموات السبع إلى الله في عالم العرش (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (4 المعارج).
وهذه “الجنة الفضائية” حقيقةٌ من حقائق هذا الوجود عرَّفنا بها قرآنُ الله العظيم. وهي جنةٌ تأوي إليها الملائكةُ وكان من بينهم إبليس قبل أن يضطره غروره إلى وجوب مغادرتها من بعد امتناعه عن الامتثال لأمر الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام. ولقد كان لسيدنا آدم وزوجه أن يمكثا في تلك الجنة الفضائية مدةً من الزمان انتهت باضطرارهما إلى مغادرتها من بعد أكلهما من شجرتها التي نهاهما اللهُ تعالى عنها. وهذه المدة من الزمان التي تسنى لآدم وزوجه أن يقضيانها في تلك الجنة الفضائية هي ما أشارت إليه الآية الكريمة 2 الأنعام بأنها “الأجل المسمى عند الله” (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ). فما “عند الله” هو جنة السماء السابعة؛ الجنة الفضائية التي هي “جنة المأوى” والتي أشارت إليها آياتٌ كريمةٌ كثيرة منها: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (206 الأعراف)، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (38 فصلت)، (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (169 آل عمران).
إذاً خلقَ اللهُ تعالى آدم وجعله في الأرض خليفة، ثم أسكنه من بعد هذا الاستخلاف جنتَه الفضائية، والتي لم يطل به المقام فيها من بعد ما جرى له فيها مع شجرتها ما جرى، فكان أن اضطر إلى العودة إلى الأرض من جديد. وليس في هذا الذي حدث ما بمقدوره أن يجعلنا نُشكِّك فيه لسببٍ من تناقضٍ نتوهمه بين استخلاف آدم في الأرض ومعراجه إلى السماء. فالأمرُ للهِ من قبلُ ومن بعد، فهو تعالى الذي اقتضت مشيئتُه وشاءت إرادتُه أن يستخلف آدم في الأرض ثم يُسكِنه جنتَه ليعود من بعد أجلٍ مسمى قضاه هناك عند الله تعالى إلى الأرض التي سبق وأن استخلفه اللهُ تعالى فيها.
