عصا العجائب والغرائب!

كانت لسيدنا موسى عليه السلام عصا لا تختلفُ على الإطلاق عن أية عصا يستعينُ بها رعاةُ الأغنام في أي مكان من هذا العالم. ولقد وصف سيدنا موسى عليه السلام عصاه هذه بما وثَّقته سورة طه: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى). إلا أن اللهَ تعالى شاءت إرادتُه الحكيمة أن يوظِّف هذه العصا في سياق لم يكن ليخطر على بال سيدنا موسى عليه السلام على الإطلاق! صحيحٌ أن عصا سيدنا موسى عليه السلام كانت لا تختلف في شيءٍ البتة عن أية عصا من عُصي رعاة الأغنام على مر العصور وتعاقب الدهور، إلا أن اللهَ تعالى أرادَ أن يُظهِر لكلِّ مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، أنه قادرٌ على أن يتدخَّل تدخلاً مباشراً يُحيلُ بمقتضاه هذه العصا إلى “شيءٍ آخر” لا قدرةَ لعقلِ مخلوقٍ كائناً من كان على أن يُعلِّل لما كان بمقدور هذا الشيء الآخر أن يجترحه من عجائب الأمور وغرائبها إلا بأن يقول بأن اللهَ تعالى هو الفاعلُ الحق من ورائه.

وهكذا كان لعصا سيدنا موسى عليه السلام، بهذا التدخُّل الإلهي المباشر، أن تُخالفَ عن “سيرتِها” فيُصبح بمقدورها أن تنقلبَ ثعباناً مُبيناً أو أن تمكِّن سيدَنا موسى عليه السلام من أن يشقَّ بها البحر أو أن تُيسِّر له الحصول على ما كان يلحُّ عليه قومُه من سقيا لهم ولأنعامهم! وهذا هو ما يُبيِّنه تدبُّر الآيات الكريمة التالية: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (19 -21 طه)، (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (69 طه)، (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين. فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (62 -63 الشعراء)، (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) (من 60 البقرة).

إلا أن ما ينبغي ألا يغيبَ عن بالِنا ونحن نستذكر عصا العجائب والغرائب هذه، هو أن سيدنا موسى عليه السلام لم يكن بمقدوره أن يجعلها تجترح هذه العجائب والغرائب هكذا من تلقاء نفسه ومن دون أن يأمره اللهُ تعالى بما يتوجَّب عليه القيامُ به. فعصا سيدنا موسى كانت تعود دائماً إلى “سيرتِها الأولى”، أي مجرد عصا عادية، ما أن يُتِمَّ اللهُ تعالى بها ما أرادَه.

أضف تعليق