
لا يعجز الإنسان عن تقديم وإيراد كل ما يحتاجه الأمر من براهين وأدلة على أنه بحق ظلومٌ جهول، وذلك كما وصفه قرآن الله العظيم! فالإنسان إذ ينظر إلى ما فضَّل اللهُ تعالى به بعض بني آدم على بعض فإنه لا يرى فيه إلا “غُبناً” بحقِّه، إذ لماذا يختص اللهُ غيره بخيرٍ يرى نفسه أحقَّ به منه؟! وبذلك فلقد فات الإنسان أن يستذكر العلةَ من وراء هذه المفاضلة وهذا التفضيل والتي بيَّنها جليةً واضحةً قرآنُ الله العظيم! فلو أن الإنسان لم يكن ظلوماً جهولاً لاستحضر واستذكر ما تُذكِّرنا به سورة طه (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). فالإنسان، وفي غمرة انشغاله في “المقارنات والمفاضلات”، قد غفل عن تبيُّن العلة من وراء هذا “الإغداق الإلهي” على طائفةٍ من الناس دون أخرى! فاللهُ تعالى يبتلي عباده بشتى أنواع الابتلاءات، ومن ذلك إغداقُه عليهم هذا الذي يستكثره الإنسان ويجده إنفاقاً في غير محله طالما حُرِم هو منه!
ولقد فات الإنسانَ أيضاً أن يستذكرَ حقيقةً غيَّبها عنه إنصياعُه لما تأمرُ به نفسُه ويزيِّنُه له هواه! فهذا الذي يستكثره الإنسان على غيرِه من خيرٍ أنعم اللهُ تعالى به عليه هو في حقيقة الأمر لا يُقارَن على الإطلاق بما عند الله تعالى من رزقٍ هو خيرٌ وأبقى، وهو ليس عنه ببعيد إن هو استرزق اللهَ بصالحِ الأعمال وطيبِ الأقوال وأحسنِ الأحوال!
وبذلك يغيبُ عن الإنسان المشغول بنفسه والمتَّبِع هواه تذكُّر ما شدَّد عليه القرآن العظيم من أن ما عند الله خيرٌ له وأبقى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُون) (60 القصص). فاللهُ تعالى هو كما أفلح في تبيُّن حقيقته سحرةُ فرعون من بعد تبيُّنهم استحالة أن يكون ما جاء به موسى هو من عند غير الله (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (73 طه).
والإنسان المشغول بدُنياه عن أُخراه، والمصروفُ قلبُه عن تذكُّر ما أعدَّه اللهُ لمن اتقاه من خيرٍ دائمٍ يوم القيامة، لن يرعوي مهما حاولتَ أن تُذكِّره بأن هذه الدنيا زائلةٌ وأن الآخرةَ هي خيرٌ له وأبقى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (16 -17 الأعلى).
وبعد كلِّ هذا الذي تقدم ينبري لك المدافعون عن حماقات الإنسان وجهالاته بالنقد غير البناء فيجادلونك في الله بغير الحق بهذا الذي يُصِرون عليه من انتحالٍ للأسباب والحجج التي يرون فيها ما يسوِّغ للإنسان أن يواظب على التطلُّع إلى ما بين أيدي غيره لما حُرِم هو منه!
