
يُخطئ المؤرِّخون إذ يظنون أن بمقدورهم أن يُعلِّلوا لأحداث التاريخ كلها جميعاً، وذلك بالرجوع إلى ما هو واقعي من الأسباب! فكثيرٌ من أحداث التاريخ المفصلية ما كان له أن يحدث لولا أن ما تسبَّب في حدوثه كان أمراً هو بحكم التعريف “غير واقعي”! فيكفينا أن نستذكر بعضاً من أبرز “الاختفاءات الجماعية” التي حدثت على مر التاريخ حتى يتبيَّن لنا أن كتب التاريخ التي بين أيدينا لا تملك أن تقول الحقيقة بشأن ما حدث فجعل من أقوامٍ برمَّتها تختفي عن وجه الأرض بلمح البصر! صحيحٌ أن الغالب الأعم على أحداث التاريخ يكفي للتعليل له أن يُصار إلى الأخذ بهذا السبب أو ذاك، أو بجملةٍ من الأسباب، إلا أن هناك من أحداث التاريخ ما ليس بمقدورنا أن نُسبِّب له بالرجوع إلى وقائع هذا الواقع.
ولقد قدَّم لنا القرآنُ العظيم العديدَ من الأمثلة على هذه الأحداث التاريخية المفصلية التي ما كان لها أن تحدث لولا تدخُّل الله تعالى بشكلٍ مباشر في صناعتها. فالإبادات الجماعية التي شهدها تاريخ الإنسان هي خيرُ مثال على هذا التدخُّل الإلهي المباشر الذي تُخفق كلُّ محاولةٍ للتعليل لها بالالتجاء إلى غيره سبباً وتعلَّة. فلولا تدخُّل الله تعالى بشكلٍ مباشر لما تحقَّقت إبادةُ أقوامٍ عن بكرةِ أبيها. فليس بخافٍ عنا ما حدث لقومِ نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب. فهؤلاء كلُّهم جميعاً أبادهم اللهُ تعالى بتدخُّلٍ إلهي مباشر أتى عليهم ولم يبقِ على أحدٍ منهم. وهذا ما شدَّد عليه القرآنُ العظيم في مواطنَ منه كثيرة: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) (98 مريم)، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) (4 -8 الحاقة).
إذاً فالقرآن العظيم يقدِّم لنا حلاً لهذا اللغز التاريخي المتعلق بانتفاء وجود أية “باقية” من “أثرٍ بايولوجي” للأقوام التي اختفت من على وجه الأرض بين عشيةٍ وضحاها. فلو أن تلك الأقوام كان قد أبادها “شيءٌ آخر” غير تدخُّل الله المباشر، لكان قد تبقى منها ما يُعينُ على التوصُّل إلى السبب الذي أدى إلى تلاشيها وزوالها! فهذا الاختفاء بالتمام والكلية لأي “أثرٍ بايولوجي” بالإمكان تتبُّعه وصولاً إلى السبب الذي أدى إلى زوال تلك الأقوام، لهو الدليل القاطع بأن ما حدث لم يكن إلا تدخلاً إلهياً تسبَّب في ذلك الاختفاء الجماعي الذي لم يُبقِ على هكذا أثر.
وهكذا يتبيَّن لنا أن تتبُّع ما حدث لتلك الأقوام المُبادة بوسعه أن يقودنا إلى التثبُّت من أن التدخُّل الإلهي المباشر في أحداث التاريخ حقيقةٌ لا مراء فيها، وأن آياتِ الله تعالى تحتفظ على الدوام بهذا الذي يبرهن على صدق عائديَّتِها إلى الله.
