
انتبهتُ إلى أن ما كتبتُه من منشوراتٍ مؤخراً يصبُّ أغلبُه في مصب ما بالإمكان توصيفُه بأنه فلسفةُ الانشغالِ بإيراد الدليل والبرهان على وجود الله. صحيحٌ أن هذا هو شاغلي منذ بدء انشغالي بالدين قبل أكثر من أربعين عاماً، إلا أن ما يميِّز ما أنا منشغلٌ به هذه الأيام هو هذا الإلحاح على حشدِ كلِّ ما بالإمكان حشده من هكذا أدلةٍ وبراهين تضطر متدبِّرَها إلى وجوب أن يُقِرَّ بألا مفرَّ له من أن يراجع مسلَّماته إن كان هو من أولئك الذين ظنوا وتوهموا بأن ما تسنَّى لهم الوقوعُ عليه من حجةٍ وبرهان يكفل لهم لا أن يُشكِّكوا في وجود الله تعالى فحسب، ولكن أن يقطعوا جازمين بأن مسألةَ انتفاءِ وجودِه تعالى محسومٌ أمرُها لا محالة.
والحق أن العصرَ الذي ابتلانا اللهُ تعالى بأن نكون من أهله، هو عصرُ الشك والإلحاد شئنا أم أبينا، وذلك طالما لم نعمل جاهدين على أن نتسيَّده بتحقيقِنا الشرط القرآني بأن نكونَ خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس. ولذلك فإن لهذا العصر أن يوجب على مَن كان من أهله، ممن يزعم أنه من الأمة المحمدية، أن يكون شغله الشاغل هو هذا الانشغال منه بتحشيد الأدلة والبراهين على استحالةِ انتفاء وجود الله تعالى. وهذا وأيم الحق لهو ما ينبغي أن ينشغل به رجالُ الدين، تقليديين وغير تقليديين، عوضَ أي انشغالٍ آخر منهم في الحياة الدنيا زينةً ولعباً ولهواً وتكاثراً وخوضاً في سياسةٍ لن يكونوا أبداً يوماً من أهلها مهما حاولوا.
