
يفاخرُ الإنسانُ المعاصرُ بعقله ظناً منه وتوهماً أنه يتفوق بهذا العقل على إنسان الأزمان الغابرة! وهذا وهمٌ له من التجليات ما تتعذر الإحاطةُ به. فإنسان هذا الزمان لا يختلف عن إنسان الأزمان الغابرة إلا بالقدر الذي أتاحته له التكنولوجيا المعاصرة التي هيَّأت له أن يصدِّق هذا الوهم. فعقل الإنسان باقٍ على حاله يراوح مكانه وإن كان هذا العقل قد أتاحَ للإنسان أن يغادرَ كوكبَه الأرضي إلى أعتاب الفضاء!
ونحن لن نعدم ما نشاء من الأمثلة على هذا التطابق المذهل بين عقل إنسان اليوم وعقل إنسان العصور الغابرة. ولعل أبرز هذه الأمثلة هو رد فعل هذا العقل على أي حديثٍ يشتمل على ظواهر تتنافى مع تصور العقل لهذا الوجود. فعقل الإنسان، غابراً كان أم معاصراً، لا قدرةَ له على أن يحكم بجواز حدوث أيةِ ظاهرة تخرق التصور الذي صاغه عن الوجود، والذي تشكَّل جراء تفاعلاته مع مفردات هذا الوجود. ولذلك فإنه لمن المفهوم لماذا يحكم العقل باستحالة حدوث الظواهر الخارقة طالما كانت هذه الظواهر تستفز وتزعزع “اليقين” المصاحب لهذا التصور! فعقل الإنسان، في كل زمان ومكان، مجبولٌ على أن يسارع إلى إصدار الأحكام “الناجزة” و”القاطعة” و”النهائية” قبل أن يتسنى له أن يلم بـ “كافة التفاصيل” ويحيط بها علماً! وهذا هو شأن الإنسان ودأبه منذ بداية التاريخ وحتى نهايته المأجول أجلها بقدوم يوم القيامة. ويخطئ كلُّ مَن يظن أن إنسان هذا الزمان لن يكذِّب المعجزات التي سبق وأن كذَّبها آباءه الأقدمون! فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان! ولن يختلف رد فعل إنسان هذا الزمان عن ردود أفعال أسلافه الأولين إذا ما استفزت “يقينَه الزائف” ظواهرُ خارقةٌ لما يظن عقلُه أنه “التصورُ النهائي” لهذا الوجود! ولذلك نقرأ في قرآن الله العظيم: (أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) (من 84 النمل).
