
ذكرتُ في منشوراتٍ سابقة أن هذا الكون ما كان له أن يكون لولا أن للهِ تعالى “تواجداً” فيه، تكفَّل بنشوئه تكفُّله بتماسكِهِ وبقائه إلى حين، و”وجوداً” خارجَ أقطارِ سمواتِه وأرضِه كان الكونُ ليتلاشى ويزول إذا ما اختلَّ التوازنُ الدقيقُ اللطيف بينهما. فكونُنا هذا ما كانت لتقومَ له قائمة، ولا لتُرى له باقية، لولا هذا التوازن الدقيق اللطيف بين “التواجُد الإلهي” في ربوعِه و”الوجود الإلهي” خارجَه. ولذلك يبرهِنُ القائلون بأن اللهَ تعالى موجودٌ في السماء على أنهم ما قدَروا اللهَ حقَّ قدرِه بهذا الجهلِ منهم بما كان سينجمُ لا محالة عن هكذا أمرٍ جلَل! فإذا كان اللهُ تعالى في السماء، فإن هذا كان سيجعلُ من السماءِ تزولُ وتتلاشى إذ كيف لها أن تصمدَ في حضرةِ اللهِ تعالى؟!
إذاً فلا مناصَ لنا من أن نُقِرَّ بأنَّ للهِ تعالى “تواجداً” في الكون، وإلا فكيف نُعلِّل لنشوء هذا الكون وتماسُكه وبقائه المأجول بأجَل يوم القيامة؟! كما أنه لا مفرَّ لنا من الإقرار بأن للهِ تعالى “وجوداً” خارجَ حدودِ هذا الكون المخلوق يمتدُّ منها وإلى ما لا نهاية، وإلا لدُكَّ الكونُ دكاً بسببٍ من التجلِّي الإلهي فيه!
وهكذا يتبيَّنُ لنا أننا مضطرون إلى القول بأن “التواجُدَ الإلهي” في الكون يختلفُ عن “الوجود الإلهي” خارجَه اختلافاً تفرضُه وتُحتِّمه ضرورةُ تماسك الكون وبقائه حتى يحينَ أجلُ دكِّه وتلاشيه وزوالِه بمجيء يوم القيامة. وإذا كان “التواجدُ الإلهي في الكون” يتمايزُ عن “الوجودِ الإلهي خارجه”، فإنه لمن نافلة القول أن يكونَ للهِ تعالى في عالم الكرسي ما ليس له في عالمِ العرش. فاللهُ في عالمِ العرش لا يصمدُ في حضرتِه مخلوقٌ إلا بسلطان، بينما تصمدُ موجوداتُ الكونِ كلُّها جميعاً في عالم الكرسي على الرغم من تواجدِ اللهِ تعالى في كل صقعٍ من أصقاعِه. فاللهُ تعالى هو الذي كفلَ، بهذا التواجدِ اللطيفِ الخفي له في الكون، أن يكونَ بمستطاعِ مخلوقاتِه أن تصمدَ على الرغمِ من تواجدِهِ هذا.
ولذلك فليس من تقديرِ اللهِ تعالى حقَّ قدرِه أن نقول إن “التواجدَ الإلهي” في الكون لا تمايزَ بينه وبين “الوجود الإلهي” خارجه! فنحن على هذه الأرض أبعدُ ما نكون عن عرش الله تعالى، وبالتالي فنحن أبعدُ ما نكون عن التعرُّضِ لما تتعرضُ له ملائكتُه الكرام الأقربُ منا إلى عرشه العظيم. وما “الدينُ الإلهي” إلا فضلٌ من اللهِ تعالى يُمكِّنُ المتدينَ به حقَّ التديُّن من أن يرقى حتى يكونَ مقرَّباً من اللهِ تعالى قُربَ ملائكتِه الكرام من عرشِه العظيم.
