المعراج الآدمي والمعراج المحمدي

انفرد القرآنُ العظيم بتعريفِه الجنةَ التي أسكنها اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه بأنها “جنةٌ فضائيةٌ” على كوكبٍ آخر شبيهٍ بكوكب الأرض. وبذلك يمثِّلُ إسكانُ الله تعالى آدم وزوجه تلك “الجنة الفضائية” رحلةَ معراجٍ بهذا الذي اشتملت عليه من مغادرةٍ لكوكب الأرض إلى أرضِ كوكبٍ آخر، ومكثٍ فيه إلى أجلٍ مسمى، وعودة من بعد ذلك إلى كوكب الأرض تارةً أخرى. وإذا كان المقام لم يطل كثيراً بآدم وزوجه في تلك الجنة الفضائية، فإن ما حدث فيها واضطرهما بالتالي إلى وجوب مغادرتها على الفور، لهو حدثٌ من أحداث التاريخ العظام الجسام. فما حدث لآدم وزوجه في تلك الجنة الفضائية غيَّر مجرى التاريخ الإنساني بالتمام والكلية إذ كان على الإنسان أن يعود إلى هذه الأرض ليشقى فيها وليتعيَّن عليه بعدها أن يختار بين قدَرين لا ثالث لهما: فإما أن يهتدي بهَدي الله تعالى فيُحييه اللهُ دنياهُ حياةً طيبة ويخلِّده من بعدها في الجنة أبداً، أو أن يُعرض عن هدى الله فيتَّبع هواه فيشقى في دنياه وأُخراه.

وبذلك يتبيَّن لنا ما لرحلة المعراج الآدمي من عظيمِ شأنٍ في تحديد القدَر الإنساني في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ فالإنسان لم يصبح أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما إلا بسببٍ من ذلك المعراج الآدمي: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38 -39 البقرة)، (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (35 -36 الأعراف).

وإذا كان للمعراج الآدمي هذا القدْر من عِظَم الشأن في التاريخ الإنساني، فإن معراجاً آخر كان له هو الآخر من عِظَم الشأن في تاريخ الإنسان ما لم يُقدَر هو الآخر حقَّ قدره. فالمعراج المحمدي نقطةٌ فاصلةٌ في تاريخ البشرية جمعاء، إذ تسنى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتشرَّف بلقاء الله تعالى، وأن يتلقى عنه من العلم اللدني ما كان له عظيم الأثر في صياغة العقيدة المحمدية التي كان لها أن تتجلى في التاريخ الإنساني بتجلياتٍ تُخفق كلُّ محاولةٍ للتعليل لها وذلك بالرجوع إلى أسبابٍ أخرى غير ما حدث ليلة المعراج الشريف تلك. فما أوحاه اللهُ تعالى لسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في تلك الليلة المباركة المقدسة سيتجلى لاحقاً حكمةً بالغة ومنهاجَ وصولٍ فريد إلى الله تعالى يكفل للملتزم به أن يحقِّق ذلك الارتقاء المنشود من أسفلِ سافلين إلى أعلى عليين.

أضف تعليق