
على الرغم من أن اللهَ تعالى قد لطَّف تواجدَه في الكون، وإلى الدرجة التي تُتيح لسمواته وأرضينه أن تتماسكا فلا تزولا، فإن هذا التواجد الإلهي اللطيف الخفي ما كان ليحجب عن أعين مَن انشغل بالله ليلَ نهار بصماته الإلهية المبثوثة في كلِّ صقعٍ وربعٍ من أصقاعِ وربوع هذا الكون. فالمنشغلون بالله تعالى حقَّ الانشغال لن يعجز الواحدُ منهم عن تبيُّن بصماتِ الله تعالى أنى جالَ ببصره في ملكوت السموات والأرض. وهؤلاء الذين انشغلت قلوبُهُم بالله عن الانشغال بسواه هم الذين امتدحهم قرآنُه العظيم بقوله الكريم: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (75 الحجر).
صحيحٌ أن هذا الكون ما كان له أن يكون لولا أن اللهَ تعالى هو “الباطنُ” من وراء الأسباب التي خلقها فسلَّطها عليه ليصلح عليه حالُه، إلا أن هذا لن يحولَ دون أن يكونَ بمستطاعِ مَن انشغلَ قلبُه بالله عن كلِّ ما سواه أن يتبيَّن فيه بصماتٍ لله تعالى أنى جالَ بصرُه. كما أن لله تعالى تجلياتٍ في الكون لن تخطأها أعينُ مَن صحَّ لديهم أنه تعالى على كلِّ شيءٍ قدير وأنه “الظاهر” الغالبُ على أمره والمتسلطُ على الأسباب التي سبق له وأن سلَّطها على الكون ليستقيمَ بها أمرُه. فكيف لا يكون بمقدور المنشغلة قلوبهم بالله حقَّ الإنشغال ألا يتبيَّنوا بصماتِه التي تتجلى ظاهرةً للعيان بهذه “التجليات الإلهية” التي هي آثارُ اسمه “الظاهر”؟!
إذاً ما عليك إلا أن تكون واحداً ممن انشغلت قلوبُهم بالله عن كل ما سواه حتى يكون بمقدورك أن تنظر حواليك فلا ترى إلا بصمات الله الدالة عليه فلا تُضَلَّ بعدها عنه أبداً.
