
تتكفل قراءةُ النَّص القرآني المقدس بغير لسانه العربي المبين بجعل القارئ ينتهي إلى الوقوع على ما يظن ويتوهم أنه معناه وما هو في حقيقة الأمر بمعناه! ولذلك أمرنا اللهُ تعالى بأن نتدبَّر آياتِ قرآنِه العظيم وذلك بأن نقرأها بلسانها العربي المبين، وبأن لا نُسقط على النَّص القرآني المقدس من أفكارِنا وظنوننا وأوهامِنا ما ينعكس عنه ليجعل من قراءتنا تنتهي بنا إلى الخروج بغير معناه الوحيد. ولقد عادَ هذا التعامل غير المنصف مع كثيرٍ من نصوص القرآن العظيم علينا بما جعل منا نصدِّق أوهامنا وظنوننا وأفكارَنا المسبقة متوهِّمين أنها معاني هذه النصوص وشرعنا في الدفاعِ عن مقاربتِنا الخاطئة هذه في وجهِ كلِّ مَن يُطالِبنا بالرجوع إلى ما أمرَنا اللهُ به من تدبُّر آيات قرآنه العظيم.
وخيرُ مثالٍ على هذه القراءة غير المتدبِّرة لنصوص القرآن العظيم ما وقرَ لدينا من أنَّ اللهَ بقولِه إنه خلقَ الإنسانَ من تراب ثم نفخَ فيه من روحه، إنما يقصد أنه تعالى خلقَ الإنسانَ خلقاً لحظياً من التراب دون أن تستغرق عملياتُ التخلُّق تدرُّجاً في الخلق امتدَّ ملايين السنين كما انتهى إلى إثباتِ ذلك العلمُ الوضعي الذي بين أيدينا! ولقد كان بإمكاننا أن نتفادى الوقوعَ في هذا الخطأ الجسيم لو أننا تدبَّرنا النصوص القرآنية الكريمة ذات الصلة بخلق الإنسان من تراب، وذلك بقراءتها كلِّها جميعاً، وبقراءةِ بعضِها ببعض، وبقراءة الكل بالواحد والواحد بالكل. ولكننا بعَّضنا النصوصَ وجزَّأناها وفرَّقناها ولم نضعها كلَّها جميعاً أماماَ من ناظرينا حتى ننظر إليها فنرى ما تشتملُ عليه وتنطوي من مفرداتٍ يُكمِّلُ بعضُها البعض، ويبيِّن بعضُها حقيقةَ بعض!
لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ) (من 37 الكهف)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) (من 5 الحج)، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُون) (20 الروم)، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) (من 11 فاطر)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) (من 67 غافر).
يتبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أن الإصرارَ على أن اللهَ تعالى خلق الإنسانَ من ترابٍ خلقاً لحظياً لا أساس له في القرآن العظيم، وأن هذه الخلق من تراب قد استغرق أحقاباً من الزمان لا يعلمها على ما هي عليه حقاً وحقيقة إلا الله تعالى. وبذلك يتبيَّن لنا أيضاً أن ما هو صحيحٌ في حقِّ كلِّ واحدٍ من أفراد الجماعة الإنسانية، هو صحيحٌ أيضاً في حقِّ أب هذه الجماعة سيدِنا آدم عليه السلام! فإذا كان اللهُ تعالى قد أنبأنا في قرآنه العظيم أنه قد خلق سيدنا آدم من تراب، فإن هذا لا يعني بالضرورة وجوبَ أن يكونَ هذا الخلق لَحَظياً بلمحٍ بالبصر!
وبذلك يتكفَّل تدبُّر ما تقدَّم من آياتٍ كريمة بتيسير تدبُّر الآية الكريمة 59 من سورة آل عمران (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). فاللهُ تعالى خلَق سيدَنا آدم عليه السلام من ترابٍ خلقاً من بعدِ خلقٍ في مدةٍ من الزمان لا يعلمُها إلا هو. ثم تدخَّل اللهُ تعالى تدخُّلاً مباشراً في مسارِ هذا التخلُّق الآدمي فقال لآدم “كن فيكون” فانتهى به الأمرُ إنساناً في أحسنِ تقويم. ولقد نبَّهنا القرآنُ العظيم إلى أن مبتدأ خلق الإنسان كان من طين، في إشارةٍ منه واضحةٍ جلية إلى أن “مشروع خلق الإنسان” استغرق أحقاباً ليس باليسير إحصاؤها من الزمان (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) (من 7 السجدة).
كما أن القرآن العظيم لم يدَع الأمرَ نهباً لظنوننا وأوهامنا، إذ وجَّهنا إلى وجوب أن نسيرَ في الأرضِ مُتتبِّعين نشأة الخلْق، وذلك بقوله الكريم (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق) (من 20 العنكبوت).
إذاً فاللهُ تعالى جعلَ لخلقِ الإنسان بداية كما سبق وأن جعلَ للخلقِ بعامةٍ بداية. وبعد هذا كله تجد من ينبري لك مُجادِلاً جدالاً عقيماً بأن مَن لا يقول بالخلق اللحظي للإنسان خارجٌ على المِلة لفسادٍ في فكرِه وإغراضٍ في قلبه!
