
ذكرتُ في منشوراتٍ سابقة أن جنةَ آدم لم تكن على هذه الأرض وأنها كانت جنةً فضائيةً في أرض السماء السابعة وأنها هي ذاتها الجنة التي هي مأوى الملائكة المقرَّبين. ويكفل تدبُّر ما حدث لسيدنا آدم عليه السلام في تلك الجنة أن يترسَّخ لدينا اليقينُ بأنها لا يمكن أن تكون كما يزعم البعض جنةً على هذه الأرض. فلأنها الجنةُ التي هي مأوى الملائكة المقرَّبين، فإنه لمن المفهوم لماذا شهدت أرجاؤها ذلك الامتحان الرباني الذي أخفق فيه إبليس لرفضِه الامتثال لأمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم؛ الأمر الذي نجم عنه وجوبَ خروجِه منها. وجنةُ المأوى هي التي كانت شاهدةً على ما جرى على أرضها من “تحدٍّ” اجتازَه سيدُنا آدم عليه السلام بنجاحٍ ساحق، وذلك عندما تسنى له أن يخبرَ كلَّ واحدٍ من ملائكةِ الله المقرَّبين بإسمه في الوقت الذي لم يستطِع أيٌّ منهم أن يخبره بإسمه هو وزوجه! وهكذا كانت جنةُ المأوى محلَّ سُكنى آدم وزوجه حتى اضطرَّهما أكلُهما من شجرتهما التي نهاهما اللهُ تعالى عنها إلى وجوب أن يغادراها ويعودا إلى الأرض من جديد.
وهكذا يتبين لنا أن الإصرار على اعتبار جنة آدم كانت على كوكب الأرض سوف ينتهي بنا إلى ضرورة القول بما لم يرِد ذكرُه في القرآن العظيم! فنحن مضطرون والحالُ هذه إلى أن نقول بأن كوكب الأرض كان المكان الذي شهِد تلك الأحداث الجِسام العِظام من سجود الملائكة لآدم، وإلى خروج إبليس من “الجنة الأرضية” تلك، إلى “مكانٍ آخر” على هذه الأرض، وإلى “امتحان الأسماء” الذي اجتازَه سيدُنا آدم وأخفقت فيه الملائكة. وبذلك يتبين لنا ألا موجبَ هناك على الإطلاق لافتراض ما يتعارض مع النصوص القرآنية المقدسة لا لشيء إلا لإخفاقنا في الوقوع على معنى استخلاف الله تعالى لسيدنا آدم في الأرض، والذي نُصِرُ على أن نقاربه مقاربةً لا تتفق مع التدبُّر الذي أمرَنا اللهُ تعالى به!
لقد شرَّف اللهُ تعالى سيدَنا آدم عليه السلام فأسكنَه جنةَ المأوى مع ملائكتِه المقرَّبين عليهم السلام. ولقد جاء هذا التشريفُ له عليه السلام من بعد أن استخلفَه الله في الأرض خليفةً من بعدِ إهلاكه تعالى من كان يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء. وهذا التشريف لا يمكن له أن يكون إلا في جنةٍ هي أقربُ جنان الكون إلى عرش الله العظيم، وإلا فكيف يستقيم عند القائلين بـ “أرضيةِ” هذه الجنة أن يُشرَّفَ سيدُنا آدم عليه السلام بعيداً عن عرشِ الله العظيم كلَّ هذا البُعد الممتد ما بين أرضنا هذه وجنة المأوى؟!
