لماذا لم يخلق اللهُ الإنسانَ خلقاً لَحَظياً من تراب؟

انتهيتُ في المنشورين السابقين إلى تبيان الكثير مما هو ذو صلةٍ بخِلقة الإنسان الترابية. وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن العِلة من وراء خلق الإنسان من ترابٍ خلقاً من بعد خلْق في “تدرُّجٍ تخلُّقي” استغرق من ملايين السنين ما ليس بمعروفٍ إلا لدى الله تعالى.

بدايةً لابد وأن أشير إلى أن موضوع “خلق الإنسان” قد شابَهُ ما شابَهُ من افتراضات وتخرُّصات فرضها هذا الافتتانُ منا بتصوُّرٍ للإنسان أردنا به أن يؤكِّد قناعاتِنا بأنه مخلوقٌ ليس كمثله مخلوق، وأنه متمايزٌ عن كل مخلوقٍ آخر بما ليس بالإمكان حصرُه وإحصاؤه من المزايا والسجايا والفروقات! ولقد أدى بنا هذا الهوَس بصورة الإنسان، المختلف بالضرورة عن مخلوقات الله تعالى الأخرى، إلى افتراض أن الله تعالى خلقنا على صورتِه خلقاً لحَظياً آنياً في لمح البصر مُخالفين بذلك عن الحقيقة التي جاءنا بها قرآنُ الله العظيم، والتي تقضي بأن اكتمال تخلُّق الإنسان من البدايات الطينية وحتى النهاية الحالية قد استغرق من الزمان ما يتنافى مع ما يقضي به الخَلق الآني اللَحظي من قِصَر زمان! وبذلك فلقد فاتنا أن نتدبَّر ما جاءنا به القرآنُ العظيم بخصوص خِلقتنا الترابية هذه، والتي ليس هناك في عموم هذا القرآن ما يُشير من قريبٍ أو بعيد إلى أنها لم تستغرق غير لحظةٍ من الزمان كما نظن ونزعم ونتوهم!

فالحياة البايولوجية على كوكبنا الأرضي كان قد انطلق “مشروعها التطوري” منذ ملايين السنين حتى انتهى بها الأمرُ إلى مخلوقاتٍ فائقة “التعقيد البايولوجي”. وهذه المخلوقات كانت أقرب ما تكون إلى أشباه البشر. ولذلك فإن خَلق الإنسان ما كان له أن “يُعرِض” عن هذا الذي انتهت إليه عمليةُ التطور البايولوجي التي سبق لها وأن شرعت في مسيرة الارتقاء والتعقُّد البايولوجي منذ ملايين السنين، فـ “يعود” القهقرى إلى نقطة البدايات الطينية! فهذا أمرٌ لا يمكن أن يخطر إلا في ذهن مَن لا يقدِرُ الأمورَ حقَّ قدرها، ومن تستوي عنده الأشياء كلها جميعاً فلا يفرِّق بين قديمها وحديثها! ولذلك فلقد كان “التدخُّل الإلهي المباشر” في مسيرة تطور الحياة البايولوجية على كوكب الأرض، والتي كانت قد انتهت بظهور مخلوقاتٍ شبيهة بالإنسان، هو “المرحلةُ التطورية اللاحقة” (The next evolutionary step)، فكان أن سوَّى اللهُ تعالى آدم بشراً بقوله له “كن فيكون”. ولقد “حتَّم” ذلك التدخلَ الإلهي المباشر ما كان قد أصابَ قوماً من أشباه البشر التاثت عقولُهم بإصابةٍ فايروسيةٍ صيَّرتهم كائناتٍ تُفسِد في الأرض وتسفك الدماء. فأراد الله تعالى بتدخُّله المباشر هذا أن يُري ملائكتَه الكرام عليهم السلام أنه قادرٌ لا على إصلاحِ ما تضرَّر فجعل من أولئك القوم يشذُّون عن القانون الإلهي فحسب، ولكنه قادرٌ أيضاً على أن يجعل من هذا “المخلوق المُستصلَح” يستحق، وذلك بنفخِه فيه من روحِه تعالى، أن يسجدوا له إقراراً منهم بتمايزه عنهم وتفرُّده بخِلقةٍ استثنائيةٍ لم يسبق لهم وأن عرفوها!

أضف تعليق