
ما هي المقاربةُ الأمثل لدينِ الله، والتي تكفلُ لنا أن نقع على مُراد الله تعالى من الإنسان؟ يُعينُ على الحصول على إجابةٍ على هذا السؤال ألا يغيبَ عن بالِنا ما جاءتنا به الآيةُ الكريمة 56 من سورة الذاريات (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فنحن إذا ما نظرنا إلى الإنسان، دون أن تُخالِط نظرتَنا ظنونٌ وأوهامٌ وتصورات منشأها النفس ومؤجِّجُها الهوى، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن أن العبادةَ التي تُشيرُ إليها هذه الآية الكريمة تُذكِّر بما سبق وأن حدث في جنة المأوى فجعل من الإنسان مُلزَماً بأن يعبد اللهَ تعالى وإلا فالشقاءُ رفيقُه في الدنيا والآخرة.
وبذلك يتبيَّن لنا أن النظرةَ الصائبةَ إلى الإنسان تقتضي منا وجوبَ أن نستذكِر ذلك الذي حدث في تلك الجنة فجعل من الإنسان مضطراً إلى أن يتخيَّر قدَره فإما أن يتَّبع هدى الله فيُحييَه اللهُ حياةً طيبةً في الدنيا ويُخلِّدَه في الجنة دائماً أبداً، وإما أن يتَّبع هواه فيردى. وتُخفِقُ كلُّ مقاربةٍ للإنسان لا تنظر إليه بدلالةٍ من ماضيه وما حدث له فيه، وبهَديٍ من مستقبلِه وما سيحدثُ له فيه. فالإنسانُ لا يبوحُ بأسرار خِلقتِه المُلغِزة إلا بأن تُستذكر بداياتُه ونهاياتُه. وكلُّ مَن يظن أن بمقدوره أن يُعرِّف الإنسانَ، دون أن يستعين بماضيه الآدمي ومستقبله الآخروي، واهمٌ أشدَّ الوهم! فالإنسانُ معلَّقٌ بماضيه الآدمي تعلُّقه بمستقبله الآخروي، وكلُّ حديثٍ عن الإنسان دون استذكارٍ لماضيه ومستقبله هذين، لن يقودنا إلا إلى سرابٍ يحسبُه الضمآنُ ماء!
