
تحدَّثتُ في منشوراتٍ سابقة عن الطريقة المثلى لقراءة القرآن العظيم وبيَّنتُ أنها قائمةٌ على أساسٍ من تدبُّر آياته الكريمة وذلك بقراءتها بلسانها العربي المبين قراءةً لا تُخالطها ظنوننا وأوهامنا وتصوراتنا وأفكارنا المسبقة. ولقد أدى هذا الإخفاقُ منا في تدبُّر القرآن العظيم كما أُمرنا إلى وقوعنا على ما ظننا وتوهَّمنا أنها معانيُّ كثيرٍ من آياتِه الكريمة وما هي في حقيقة الأمر بمعانيها! ولكنه الإصرارُ على تمام الامتثال وقبيح الانصياع لما تأمرُ به النفسُ ويزيِّنُه الهوى، فكان أن عادَ علينا ذلك بمزيدِ تخبُّطٍ في متاهات الضلالة التي توهَّمناها هدىً! فكيف يستقيم عند مَن يقولُ بأنه يقرأ القرآن بلسانِه العربي المبين، ومن دون أن تُمازِج قراءته ظنونٌ وأوهام، أن تكون كلمة “ثلة” بمعنى “كثرة” لا لشيء إلا لغايةٍ في النفس وإغراضٍ في القلب والعياذ بالله؟!
لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (10 -14 الواقعة)، (لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (38 – 40 الواقعة). فمن الواضح الجلي لكل من يتدبرُّ ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أن هذا الذي خلُصت إليه هذه المقاربة غير الموفَّقة لا يمكن بحال أن يكون تدبُّراً لهذه الآيات! فتدبُّر هذه الآيات الكريمة لابد وأن ينتهي بنا إلى وجوب القول بما يقولُه نصُّها القرآني المقدس، والذي يوجب علينا أن نُطابق في المعنى ما بين “ثلة” و”قلة” وإن اختلفتا في المبنى.
وهكذا تتوالى الأدلة والبراهين على فسادِ رأي من يزعم أنَّ له أن يقرأ قرآنَ الله العظيم بغير لسانه العربي المبين وأنَّ له أن يُسقِط من أفكاره وتصوراته على هذا النَّص الجليل ما يشاء!
