ما هي حقيقة أقطار السموات والأرض؟

خلقَ اللهُ تعالى المادة وبثَّها في عموم الكون وجعل انتشارها محدداً بحدودٍ لا قدرةَ لها على تعدِّيها وتجاوزها. فالمادة المخلوقة في هذا الكون لا قدرةَ لها على أن تتجاوز وتتعدى هذه الحدود الفاصلة بين عالمَين هما: “عالَم كرسي الله” الذي وسع السموات والأرض، و”عالَم عرش الله” الذي لا تواجد فيه لمخلوقٍ في حضرة الله.

ولقد قال القرآنُ العظيم القولَ الفصل في مسألة انتشار المادة المخلوقة في الكون، وذلك بأن أبانَ عن أنه لا يمكن له أن يكون كما يظن العلم الوضعي غير محدَّدٍ طالما كان هذا الكون، وفقاً لما انتهى إليه هذا العلم، مستمراً في التمدد والاتساع! وبذلك يقدِّم لنا القرآنُ العظيم ما يتَّفق مع بديهيات الإيمان ومُسلَّماته بهذا الذي يقولُ به من أن المادةَ المخلوقةَ في الكون “محدودةُ الكم” و”مُحدَّدةُ الانتشار”. فمادامت المادةُ مخلوقةً فقدَرُها أن تكون محدودةَ الكم مُحدَّدة الانتشار. وهذه نقطة من أبرز نقاط الاختلاف بين “الكوزمولوجيا القرآنية” وكوزمولوجيا علم الفلَك المعاصر.

فإذا كان علمُ الفلك المعاصر لا قيامَ له إلا على أساسٍ من أن الكونَ يتمدَّدُ ويتَّسع في حركةٍ مستمرةٍ إلى ما لا نهاية، فإن القرآن العظيم بالمقابل يُفنِّد هذا الظن الواهم بما جاءنا به من خبر “أقطار السموات والأرض” الذي ورد في سورة الرحمن (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ) (33، 35). فأقطار السموات والأرض هي الحدود القصوى لانتشار المادة المخلوقة في الكون إذ لا تواجدَ لأية مادةٍ مخلوقةٍ بعدها.

وبذلك يتبيَّن لنا أنَّ تدبُّرَ القرآن العظيم يوجِب علينا أن يكون لنا رأي قد نضطر معه إلى ألا نأخذ بما يقول به العلمُ الوضعي وليس في هذا ما يُعيبُ أو يُشين، فالحقيقةُ المطلقة هي التي يشتملُ عليها كلامُ اللهِ تعالى، وكلُّ كلامٍ آخر لا يملكُ ما يجعل منا مضطرين إلى الأخذ به إن هو تعارض وتناقض وتضاد مع كلام الله.

أضف تعليق