لماذا اختفت سفينةُ نوح؟!

من عجائب الأمورِ وغرائبِها أن تختفي هكذا، بين عشيةٍ وضحاها، وثائقُ إلهيةٌ وأدلةٌ ربانيةٌ لو أنها بقت لكانت لتقدم ما بمقدوره أن يضطرَّ مُشكِّكي هذا الزمان ومُلحديه إلى أن يراجعوا أحكامَهم التي توهَّموها جازمةً وقطعية، وإلى أن ينتهوا إلى أن ما جاء به دينُ الله تعالى يستحقُّ منهم موقفاً غيرَ هذا الذي ناصبوه به العداء! فلماذا تلاشت واختفت أدلةٌ وبراهين من قبيل مساكن الأقوام الذين أبادتهم عن بكرةِ أبيهم يدُ القدرة الإلهية من بعد بقاءها ماثلةً للعيان أمثولةً وذكرى وعبرة آلاف السنين؟! (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (من 24 -25 الأحقاف)، (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) (26 السجدة)، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ) (من 38 العنكبوت)، (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (58 القصص)، (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) (128 طه).

وأين اختفَت صحُفُ إبراهيمَ وموسى؟! ولماذا اختفى زبورُ داود؟! وأين ذهب إنجيلُ عيسى؟! فعلى ما يذكر قرآنُ الله العظيم فإن توراةَ سيدِنا موسى عليه السلام وإنجيلَ سيدِنا عيسى عليه السلام كانا بحوزةِ أهل الكتاب من معاصري رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ولقد وجَّهَ القرآنُ العظيم الأنظارَ إلى ما بين آياتِه الكريمة وبين ما جاء في التوراةِ والإنجيل من تطابقٍ يَشي بإلهيته معتبراً ذلك التطابق آيةً تقتضي من مُشكِّكي ذاك الزمان وجوبَ أن يؤمنوا به قرآناً تنزَّل من عند الله تعالى. فما الذي حدث فجعل من تلك الأدلة والبراهين تختفي بين إغماضةِ عينٍ وانتباهتِها؟! (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (من 157 الأعراف)، (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (197 الشعراء).

ثم ماذا بشأنِ سفينةِ نوح التي ذكر القرآنُ العظيم أن اللهَ تعالى أبقاها ماثلةً للعيان آيةً منه على ما حدث في غابر الأزمان من طوفان أتى على مَن أفسدَ في الأرض وأكثر فيها الطغيان: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ. فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)، (14 -15 العنكبوت)، (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (15 القمر).

فلماذا اختفت سفينةُ نوح؟ وأين اختفت؟ ولماذا لم تعُد آيةً للعالَمين من بعدِ آلافٍ من السنين ظلَّت فيها آيةً لكلِّ مدَّكِر؟!

يتبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم أن هناك أمراً ما جلَلاً قد حدث فأزالَ عن وجه الأرض كلَّ هذه الأدلة والبراهين التي كانت لتقدِّم لعقل الإنسان في زمان العلم هذا كلَّ ما هو كفيلٌ بجعلِه لا يرى في الدين الإلهي مجردَ حكاوى وخرافات وأساطير أكل عليها الدهرُ وشرب!

يبقى أن أشيرَ إلى مقاربةٍ مغرقةٍ في الإخفاق والفشل تصدى من خلالها رجال الدين التقليديون للإجابة على تساؤلاتٍ محتملة قد يثيرها الانتباه إلى أن سفينة نوح لم تعد ماثلةً للعيان، فكيف يذكر القرآن العظيم إذاً أنها آيةٌ للعالمين؟ ويكمن إخفاق مقاربة رجال الدين التقليديين هؤلاء في أنهم فسَّروا الأمرَ بأن بقاء سفينة نوح كان ببقاء ذكرها وليس ببقائها هي ذاتها! أنظر كيف يتجاسر هؤلاء الجُهال بقرآن الله العظيم على كلام الله تعالى بالتقويل والتأويل عوض أن يلزموا الحق فلا يحيدوا عنه فيُحسَب لهم إن هم فعلوا ذلك أنهم وقعوا على لغزٍ عظيمِ من ألغاز القرآن العظيم لا يعيبُهم إن هم أقروا بعجزهم عن أن يجدوا له حلاً!

أضف تعليق