أنباءُ الغيب بين الوحي والرؤية

ما كان كل حظ سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من غيب الله هو ما أوحاهُ الله تعالى له منه فحسب. فاللهُ تعالى أنبأنا في قرآنِه العظيم أنه أوحى إلى عبده صلى الله تعالى عليه وسلم من أنباء الغيب ما أوحى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (44 آل عمران)، (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (49 هود)، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (102 يوسف).

ثم أن اللهَ تعالى مكَّن سيدَنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من أن ينظر إلى الكون فيرى بعينه المجردة ما ليس بمقدور آدمي أن يراه من سمواته السبع التي تبعد عن كوكبنا الأرضي مسافاتٍ تُقدَّر بآلاف الملايين من السنين الضوئية: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) (3 -4 الملك).

وإذا كان تمكينُ الله تعالى قد يسَّر لسيدنا محمد أن ينظر إلى ما هي عليه سمواتُ الكون السبع حقاً وحقيقةً، فإن اللهَ تعالى قد يسَّر له صلى الله تعالى عليه وسلم أيضاً أن يرى بأم عينيه ما حدثَ لعاد من إهلاكٍ على يد قدرته الإلهية (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد) (6 الفجر) تيسيره له أن ينظر إلى أصحاب الفيل فيرى كيف جعلتهم كعصفٍ مأكول طيرُ الله الأبابيل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) (1 الفيل).

وهذا التمكين الإلهي لسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من أن ينظر إلى “المُغيَّبات” فيراها على ما هي عليه حقاً وحقيقة تنوَّع أشكالاً وألواناً تعدَّدت بتعدُّد ما يشتمل عليه عالَم الغيب من خبايا وخفايا وأسرار. ويكفينا أن نتدبَّر بعضاً مما جاءنا به قرآنُ الله العظيم من أخبار هذا التمكين الإلهي لسيدنا محمد، والذي يسَّر له صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينظر إلى أحداث التاريخ فيراها كما لو أنها تحدث “هنا” و”الآن”: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) (258 البقرة)، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) (من 246 البقرة)، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) (من 243 البقرة).

كما ويسَّر هذا التمكين الإلهي لسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينظر بعينَيه المجرَّدتين إلى الوجود فيرى تسبيحَ وسجود المخلوقات والكائنات والموجودات كلِّها جميعاً: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُون) (41 النور)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (من 18 الحج).

ومن مفردات عالَم الغيب الأخرى التي مكَّن اللهُ سيدَنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من أن ينظرَ إليها فيراها بأم عينيه، ما تقوم به الشياطين وهي تؤز الكافرين أزاً (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) (83 مريم).

يتبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أن الله تعالى قد مكَّن حبيبَه صلى الله تعالى عليه وسلم من أن ينظر بعينَيه الآدميتَين إلى مغيَّبات هذا الوجود فيرى منها ما شاء اللهُ له أن يراه وهو تعالى القادرُ على كلِّ شيء.

أضف تعليق