أحداثُ المستقبل بين الرؤية والرؤيا

أصابَ الفيلسوف النمساوي لودفيك فدغنشتاين Ludwig Wittgenstein كبد الحقيقة بتأكيده أننا لن يكون بمقدورنا أبداً أن نستخلص وقائع وأحداث المستقبل من بين أنياب وبراثن الحاضر. فالمستقبل لم تقع وقائعُه ولم تحدث أحداثُه بعدُ حتى نتمكن من أن نحيطَ بها علماً؛ فكيف تسنى إذاً لنفرٍ قليلٍ من بني آدم أن ينظر واحدُهم إلى المستقبل فيرى من وقائعه وأحداثِه ما جاءت الأيامُ لتُخبر بصدقِ ما سبق وأن قال إنه رآه منه؟! يعجزُ العلمُ الوضعي عن أن يجدَ في منظومته المعرفية إجابةً تُميط اللثام عن هذا اللغز العظيم، وذلك مصداق ما سبق وأن أبانَ عن استحالتِه فيلسوفنا آنف الذكر. وحده دينُ الله تعالى مَن بمقدوره أن يأتينا بما يجعل منا قادرين على أن نتبيَّن السبب من وراء “قدرة” البعض من بني آدم على أن يُنبئوننا بشيءٍ من أخبار المستقبل.

فلأن وقائع وأحداث المستقبل في كتابٍ إلهي خطَّت أسطُرَه وصحائفَه يدُ القدرة الإلهية، فإن اللهَ تعالى قد يمُنُّ على مَن يشاءُ من عباده فيُطلِعَه على شيءٍ مما اشتملت عليه واحتوته هذه الصحائفُ اللطيفةُ الخفية. فلقد جاءَ في القرآن العظيم ما يفيدُ بأن سيدَنا المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام قد بشَّرَ قومَه برسولٍ يأتي من بعدِه اسمُه أحمد، وأنه قد أراهم من بيِّناتِه صلى الله تعالى عليه وسلم صورةً وملامحَ وهيأةً وقسماتٍ ما جعلهم يصفون هذا الذي أراهم إياه عليه السلام بأنه سحرٌ مبين (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِين) (6 الصف).

وإذا كان اللهُ قد مكَّن عبدَه عيسى ابن مريم عليه السلام من أن يُريَ قومَه لمحةً من مستقبلٍ لن يجيءَ إلا بعد مئاتٍ من السنين رأيَ العين، وكما لو أنهم كانوا ينظرون إلى صورةِ سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم تُطِلُّ عليهم من على شاشة تلفاز، فإنه تعالى مكَّن عبدَه سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يرى شجرةَ الزقوم في جهنم الآخرة رؤيا لا رؤية وذلك قبلَ أن يحُلَّ يوم القيامة (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) (60 الإسراء).

يتبيَّن لنا إذاً أن اللهَ تعالى قادرٌ على أن يُري عبادَه من وقائع وأحداث المستقبل ما يشاء رؤيةً أو رؤيا.

أضف تعليق