المادة والعقل والحياة!

يُصِر العلمُ الوضعي على ظنِّه الواهم بأن ظهورَ الحياة سبقَ ظهورَ العقل إصرارَه على أنَّ الحياة لا يمكن إلا أن تكون بايولوجيةً فلا تجلياتٍ غيرَ بايولوجيةٍ لها! وظنُّ العلمِ الوضعي هذا يُذكِّر بمظنةٍ له أخرى مفادها أن الحياة البايولوجية تنتشر في عموم الكون انتشارَ الرمالِ في الصحراء! ولقد فنَّد دينُ اللهِ تعالى بقرآنِه العظيم هذه الظنون الثلاثة تفنيدَه لغيرها من ظنون العلم الوضعي، والتي ليس لهذا المنشور أن يتطرَّق إليها وإلى التفنيدِ القرآني لها.

إن تدبُّرَ القرآن العظيم فيه من الخير ما إن نحنُ واظبنا عليه حصدنا منه الكثير الكثير. ومن ذلك الخير ما يُمكِّنُنا هذا القرآنُ من أن نحيط به من أسرارِ وخبايا وخفايا هذا الوجود، والتي لا قدرةَ لغيره على أن يقع عليها حتى وإن كان متلفِّعاً برداء العلم الوضعي الذي يُفاخرُ به إنسانُ هذا الزمان! فلقد كشف لنا القرآنُ العظيم عن حقائق ما كنا لنقع عليها أبداً! ومن بين هذه الحقائق أن المادةَ لا يُشترَطُ أن تكون حيةً حتى يكونَ لها عقلٌ! فالمادةُ عاقلةٌ حتى وإن لم تكن حيةً! والعقلُ سبقَ ظهورُه ظهورَ الحياة. وهذا ما بإمكاننا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا عشرات الآيات الكريمة التي شدَّد فيها قرآنُ الله العظيم على ما تتمتَّع به المادةُ غير الحية من عقلٍ قد تتفوَّق به على عقل الإنسان المعاصر! (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (من 44 الإسراء)، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال) (15 الرعد)، (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) (من 13 الرعد)، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 الأحزاب)، (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (11 فصلت)، (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (21 الحشر).

وهذا الذي جاءنا به قرآنُ الله العظيم من حقيقةٍ نحن عنها غافلون يُذكِّرُ بحقيقةٍ أخرى يلح عليها هذا القرآن مفادها أن الحياةَ لا يمكن بحال أن تقتصرَ تجلياتُها على ما هو بايولوجي فحسب، وأن بإمكان الحياة أن تتجلى تجلياتٍ غيرَ بايولوجيةٍ تتمثَّل بكائناتٍ كالملائكة والجن!

وبذلك يقدِّمُ القرآنُ العظيم لمتدبِّريه جملةً من الحقائق التي تُعجِزُ العلمَ الوضعي عن أن يجيئهم بها مبرهناً بذلك على أنه أقربُ ما يكون إلى منظومةٍ ميتافيزيقيةٍ معاصرة منه إلى شيءٍ آخر من قبيل “العلم الخالص” والذي يظن علماؤنا الأجلاء أنهم كهنتُه وسدنتُه وأسيادُه!

أضف تعليق