
لنتدبر الآية الكريمة التالية: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (2 المُلك). يحقُّ لمتدبِّر هذه الآية الكريمة أن يتساءَلَ عن علة تقديم كلمة “الموت” على كلمة “الحياة” فيها؛ فلماذا قُدِّم الموتُ فكان له قصبُ السبق في الإمساكِ بتلابيب وعينا قبل أن ينتبه هذا الوعي إلى الحياة؟
يتكفَّل بالإجابة على هذا السؤال أن نستذكر ما بين دين الله تعالى، والعلم الوضعي الذي بين أيدينا، من عظيم اختلافٍ مرجعُهُ إصرارُ كلٍّ منهما على تصوُّرِه للوجود، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بانتشار الحياة البايولوجية في ربوع وأصقاع هذا الوجود من أقصاه لأقصاه. فبينما يشدد العلمُ الوضعي على أن كونَنا هذا يعجُّ ويزخرُ بحياةٍ بايولوجيةٍ تنتشرُ فيه انتشارَ النارِ في الهشيم، ينبري الدينُ الإلهي لهذه المظنة الفلسفية بالنقض والتفنيد وذلك بتشديدِه هو الآخر على ما يتعارضُ مع ما يقول به العلم الوضعي، وذلك بإصراره على أن هذا الكون يكادُ أن يكونَ ميتاً بايولوجياً إلا قليلا! فـ “المواتُ البايولوجي”، وفقاً لدين الله تعالى، يعم الكون وبنسبةٍ تتجاوز الـ 99.99%. وهذا الذي يقول به الدينُ الإلهي يتطابق أيما تطابقٍ مع ما تقول به نتائجُ الأرصاد الفلكية التي لم يتمخَّض عنها أيُّ دليلٍ يُبرهن على أن للمادة البايولوجية انتشاراً خارج حدود كوكبنا الأرضي!
يتبيَّن لنا بتدبُّر هذا التناقض بين ظنون العلم الوضعي ونتائج الأرصاد الفلكية، أن القرآن العظيم، بتوافقه مع معطيات هذه الأرصاد وذلك بتشديده على أن الحياةَ البايولوجية ليست ظاهرةً كونية شاملة، إنما يُقدِّم الدليل التجريبي والبرهان العملي على إلهيته وبالتالي على استحالةِ أن يكون من عند غير الله.
