
استفاض الشاعرُ الانكليزي روديارد كبلينغ Rudyard Kipling في تمجيد الاستعمار البريطاني، ولقد اشتُهر عنه ما ذهب إليه من أن “الشرقُ شرقٌ والغربُ غربٌ ولن يلتقيا أبدا”! ولست أدري إن كان هذا الشاعر الامبريالي سيعود عما قال لو أنه بُعِث في زماننا هذا ليشهد بأُم عينيه كيف التقى الشرقُ والغرب لقاءَ المنشغلةِ قلوبهم بهذه الحياة الدنيا عن الآخرة!
على أي حال، فإذا كان الشرقُ والغربُ قد التقيا أخيراً على الانشغال بسفاسف الحياة الدنيا وظاهرها عن الآخرةِ والاستعدادِ لها، فإن الدينَ الإلهي والعلمَ الوضعي يصحُّ فيهما أن نقول عنهما إنهما لن يلتقيا أبداً! وما ذلك إلا لـ “فسادٍ بُنيوي” يكتنف العلمَ الوضعي بهذا الذي يُصِرُّ عليه رجالاتُه من علماء وباحثين من ألا حاجةَ هناك على الإطلاق لافتراض وجود ما بالإمكان الاستعاضة عنه بما تسنى لهم الوقوعُ عليه من قوانين هذا العالم! فاللهُ تعالى محكومٌ عليه من قِبل علماء العلم الوضعي بأن يبقى “خارجَ المعادلة” أبداً! وما ذلك في ظنِّهم إلا لأن قوانين العالم التي تسنى لهم أن يقعوا عليها لا مكان فيها لله تعالى! ولقد فاتَ مَن قام بصياغة المنظومة المعرفية للعلم الوضعي أن يستذكر أن لله نمطَي تواجدٍ في هذا العالم يكون له تعالى بمقتضاهما أن يتلطَّف فيكون هو اللطيف “الباطن” من وراء حجاب أسبابٍ هي “قوانين العلم” التي وقع على بعضٍ منها علماؤنا الوضعيون، كما ويكون له تعالى أن يتجلى بتدخُّلاتٍ مباشرةٍ طالما كان هو “الظاهر” القادر على أن يعطِّل أسبابه التي توهَّمها علماءُ العلم الوضعي قوانينَ صامدةً لا تُغلب ولا تُقهر!
وبذلك يتبيَّن لنا فداحة الخطأ الجسيم الذي أوقع العلمُ الوضعي نفسَه فيه بإصراره على استبعاد الله تعالى من معادلته! فلا قوانين هذا العلم بمنأى عن يد الله تعالى التي سبق لها وأن صاغتها أسباباً سلَّطتها على العالم ليستقيمَ بها أمرُه ويصلُحَ بها حالُه، ولا هي بقادرةٍ على أن تصمُدَ في وجه تدخُّله المباشر إن شاءت إرادتُه وقضت بتعطيل هذه الأسباب وبالتالي بخرق هذه القوانين التي خالها العلمُ الوضعي غيرَ قابلةٍ للنقض والخرق!
إذاً فاللهُ تعالى “موجودٌ في المعادلة” رغم أنف العلم الوضعي، وذلك لأنه هو الذي خلق قوانين هذا العلم من قبل أن يتسنى لعلمائه أن يقعوا عليها، كما أنه “موجودٌ في المعادلة” شاؤوا أم أبوا، لأنه القادر إن شاء على أن يُعطِّل ما شاء من هذه القوانين التي هي أسبابُه تعالى قبلَ أن تكون قوانينَ هذا العلم!
