
يظنُّ العلمُ الوضعي ويتوهَّم أن التصوُّرَ الذي يُقدِّمه لنا عن الكون هو ما عليه هذا الكون حقاً وحقيقة! وهذا ما لا أستطيعُ على الإطلاق أن أوافقَه عليه! فلو أن العلمَ الوضعي كان أكثرَ تواضعاً وأقلَّ غروراً لقدَّم لنا تصوُّرَه هذا على أنه تصورٌ لما تسنى له الوقوع عليه جراء ما قُدِّر له أن يحيط به من وقائع وأحداث وظواهر هذا الكون فحسب! ولكن العلمَ الوضعي أبى إلا أن يقدِّم تصوُّره عن الكون زاعماً أن ما قُيِّض له أن يقع عليه من ظواهره وقوانينه هو كلُّ ما هنالك! وبذلك فإن العلمَ الوضعي يريدنا أن نصدِّق معه ظنونَه وأوهامَه وتصوراتِه التي خُيِّل إليه معها أن ليس هناك في الكون من وقائع وأحداث وظواهر وقوانين أخرى غير تلك التي تسنى له أن يُحيط بها! فالعلمُ الوضعي أقصى عن دائرة اهتمامه كل تلك الوقائع والأحداث والظواهر التي استعصت على منظومتِه المعرفية فلم يتمكَّن من أن يُعلِّل لها بالرجوع إلى هذه المنظومة التي شيَّد أركانَها على أساسٍ مما قُدِّر له أن يُحيطَ به ويقعَ عليه من قوانين هي ليست بالضرورة كلَّ ما هنالك من قوانين كونية! فكيف يُريدُنا العلمُ الوضعي إذاً أن نصدِّق أن تصوُّرَه عن الكون يتطابق مع ما هو عليه الكونُ حقاً وحقيقة إذا كانت هناك وقائع وأحداث وظواهر وقوانين تعجزُ منظومتُه المعرفية عن أن تستوعبَها؟!
إذاً فمشكلتي مع العلمِ الوضعي هي غرورُه الذي سبق وأن حذَّرنا منه سيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله الخالد: “ألا إنَّ لكلِّ شيءٍ آفةً وآفةُ العلمِ الغرور”. وما عجزُ العلمِ الوضعي عن التعاملِ المعرفي مع ظواهر الوجود الخارقة لنظرياته وتصوراته وافتراضاته، من معجزاتٍ وكراماتٍ وخوارقَ عادات، إلا دليلٌ على صدقِ رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما ذهب إليه من تشخيصٍ لعلَّةِ هذا العلم! فلن يكون بمقدور العلم الوضعي أن يقدِّم لنا “التصور النهائي” لما هو عليه الكونُ حقاً وحقيقة إلا من بعد أن يتنازل عن غرورِه ويُقِرَّ بأنه مُلزَم بألا يدَع أيةَ واقعة أو ظاهرة أو حدث بمنأى عن أن يرفِدَ بها رصيدَه المعرفي الذي يؤهِّلُه كيما يُشيِّد على أساسٍ منه هذا التصور، والذي ينبغي أن يكونَ قابلاً لـ “التحديث” (upgrade) كلما جدَّ واستجدَّ جديد!
