ما هي مشكلتي مع رجال الدين التقليديين؟

انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان وتفصيل مشكلتي مع العلم الوضعي، وذكرتُ أن هذه المشكلة تقوم على أساسٍ مما يكتنف خطاب هذا العلم من غرور حال دون أن يكون تصورُه عن الكون هو كما يزعم ويدَّعي: “التصور النهائي” لما هو عليه هذا الكون حقاً وحقيقة!

وإذا كان هذا هو لبُّ مشكلتي مع العلم الوضعي، فما هي ماهية مشكلتي مع رجال الدين التقليديين؟!

يكمن أساس مشكلتي مع رجال الدين التقليديين في أنهم ليست لديهم أية مشكلة مع العلم الوضعي! فرجال الدين التقليديُّون عاجزون عن أن يتبيَّنوا ما يعتور خطابَ العلم الوضعي من تصوُّرٍ للكون قائمٍ على أساسٍ من إقصاء أي دورٍ لله تعالى فيه، مما انسحب بالنتيجة على كون هذا “الخطاب العلمي المزعوم” بعيداً كل البُعد عن “تصوير” الكون على ما هو عليه حقاً وحقيقة! ولقد بلغ تقبُّل رجال الدين التقليديين لخطاب العلم الوضعي أن تبنَّوه بالتمام والكلية وإلى الحد الذي جعل منهم لا يجدون أية غضاضة في قبوله على ما هو عليه، وبكل ما ينطوي عليه ويشتمل من إلحادٍ مُعلَنٍ ومُستتِر!

ولقد بالغَ رجال الدين التقليديون في هذا القبول منهم لخطاب العلم الوضعي، وإلى درجة أنهم أصبحوا يُردِّدون من كل قلوبهم وبكل اقتناع أن “العلم يدعو إلى الإيمان”، بل وذهب كثيرٌ منهم إلى حد القول بأن ما بين العلم الوضعي والدين الإلهي من شديدِ تطابقٍ ما يجعلُ منا مُلزَمين بأن نُسطِّر آلاف الصحائف في تبيان ما يُسمى بـ “الإعجاز العلمي” للقرآن! وفي هذا ما فيه من إقرارٍ بصواب كلِّ ما اشتمل عليه خطابُ العلم الوضعي؛ كيف لا وهم يريدوننا أن نصدِّق ظنونهم وأوهامهم التي جعلتهم يقولون بألا اختلاف هناك على الإطلاق بين ما يقول به العلمُ الوضعي وبين ما جاءنا به دينُ الله تعالى!

إذاً هذا هو جوهرُ مشكلتي مع رجال الدين التقليديين الذين بلغ بهم انبهارهم بخطاب العلم الوضعي ما جعل منهم ينسون أنهم “رجال دين” قبل أن يكونوا أيَّ شيءٍ آخر!

أضف تعليق