
جاء في سورةِ فاطر أنَّ مَن يخشى الله حقَّ خشيتِه هم طائفةٌ من عباده سمَّاهم اللهُ “العلماء” (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)؛ فمَن هم هؤلاء العلماء؟
يتكفَّل بالإجابة على هذا السؤال استذكارُ ما ورد في قرآنِ الله العظيم من آياتٍ كريمة فصَّلت ما هم عليه هؤلاء العلماء، وبيَّنت أنهم الذين ينظرون إلى الدنيا بعينِ عقلٍ متحرِّرٍ من تسلُّط النفس وتحكُّم الهوى مما يجعلهم يرون فيها ما يعجز عن إبصارِه غيرهم ممَّن التاثت عقولُهم وقلوبُهم بما تبُثُّه النفس من سُمِّها الزُّعاف! فالعلماء هم أشدُّ الناسَ خشيةً لله تعالى ورهبةً منه، كيف لا وهم أكثرُ الناس إدراكاً لما ينطوي عليه مستقبلُ الإنسانية ويشتمل من خطرٍ عليها عظيم إن هي لم تهتدِ بهَدي الله تعالى فتنجو بذلك من عذابِ جهنم الأبدي؟! فالعلماء هم الذين لا يداخلهم شكٌّ على الإطلاق في صدق ما وعدَ اللهُ تعالى من أنه جامعُ الناس ليومٍ لا ريب فيه هو يوم القيامة وأنه مُحاسِب الناس على ما جنته أيديهم في حياتهم الدنيا فإما هي نارٌ أبداً وإما جنةٌ أبداً.
وهؤلاء العلماء لا يزحزحُ قلبَ الواحدِ منهم عن يقينِه بأن وعدَ اللهِ حق ما ينشغلُ به الناسُ من زينةِ هذه الحياةِ الدنيا، وما ذلك إلا لأن الواحدَ منهم موقنٌ بأن ما بثَّه اللهُ تعالى في الوجود من آياتٍ وعلاماتٍ وإشاراتٍ تهدي إليه بإذنِه لا ينصرفُ عنها إلا مَن أغفلَ اللهُ تعالى قلبَه لفرطِ انشغالِه بسفاسفِ الأمور وتُرَّهاتها!
ولذلك يُخطئ كلُّ مَن يظن أن العلماء الذين امتدحهم اللهُ تعالى، فوصفهم بأنهم أكثر عبادِه خشيةً له، هم علماء العلم الوضعي الذين يُعشِّشُ الغرورُ في قلوبهم فيحولُ دون أن يكونَ بمقدورهم أن ينظروا إلى الكون فيتبيَّنوا ما بثَّهُ اللهُ تعالى فيه من آياتِه الدالة عليه وعلى صدقِ ما وعدَ من أنه جامعُ الناس ليوم القيامة! فعلماء العلمُ الوضعي منشغلون عن إبصار الحق ورؤية الحقيقة بهذا الذي جعل من قلوبهم تنصرف بعيداً عن تدبُّرِ آياتِ الله وآثارِ رحمتِه. فكيف يكون هؤلاء المنشغلة قلوبهم بغير الله على شيء إذاً؟!
