لن أرضى عنهم حتى…!

انتهيتُ في منشوراتٍ سابقة إلى تفصيل مشكلتي مع العلم الوضعي والقائمين عليه، وإلى تبيان مشكلتي مع رجال الدين التقليديين. فرجال العلم الوضعي، بهذا الذي تنطوي عليه قلوبُهم من غرور، عاجزون عن أن يصدر عنهم “علمٌ نافع” ينفع الناس فيقدِّم لهم ما يستعين الواحد منهم به على نفسه فيردعها ولا يُمكِّنها منه! فالعلم الوضعي يؤجِّج في النفس غرورَها واستعلاءها ويعزِّز من قبضتها التي بها أحكمت سيطرتَها وتحكُّمَها بعقولنا.
ولذلك فلن أرضى عن العلم الوضعي حتى يتخلى عن غروره ويقر بالتالي بعجزِه عن أن يكونَ بمقدوره أن يُقدِّم لنا “التصورَ النهائي” لما هو عليه الكون وموجوداته حقاً وحقيقة! ولن أرضى عن العلم الوضعي حتى يسلِّم بألا هديَ إلا هَديَ الله، الذي إن هو استهداه بقلبٍ سليمٍ من آفاتِ النفسِ وأسقامِها، كان له أن يهديَه اللهُ إلى عالَم الحقيقة فيلجَ من بابِ مدينة العلم “ليرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشر”.
ولن أرضى كذلك عن رجال الدين التقليديين حتى يُقِرُّوا بأنهم قد آثروا غير الله على الله، وأنهم بذلك قد ارتضوا جهالات وضلالات العلم الوضعي فاتَّخذوها حقائقَهم عوض أن يأخذوا بيد رجال هذا العلم على طريق الله تعالى ليصلوا بهم إلى “بر الأمان المعرفي” الذي لا وصولَ إليه ولا مكوثَ فيه إلا لمن فارقَ الغرورُ قلبَه وصفى بذلك عقلُه وبرأ من سموم النفس وإضلال الهوى! ولن أرضى عن رجال الدين التقليديين حتى تفارقَهم “تقليديَّتهم” هذه فيكونوا رجالَ دين الله حقاً فلا يُمكِّنون من عقولهم وقلوبهم مَن أضلَّه الله واتَّبع هواه!

ولذلك فإنني لن أرضى عن العلم الوضعي حتى يُقِرَّ بألا ضيرَ هناك على الإطلاق في الالتجاء إلى الله تعالى وإلى الاستهداء بقرآنه العظيم حتى “تُستكمَل الصورةُ” وحتى يُضيفوا إليها ما كان ينقصها من مفرداتٍ ألحُّوا على البحثِ عنها في غيرِ مكانها الصحيح فلم يوفَّقوا بالتالي إلى الوقوعِ عليها! فالإنسانُ لن يكتملَ “تصوُّرُنا” عنه إلا بأن نستكمل معرفتَنا به بهذا الذي لا قدرةَ لغير دين الله تعالى على أن يرفدنا به.

وكذلك فإنني لن أرضى عن رجال الدين التقليديين حتى يُقرُّوا بأن انبهارهم بالعلم الوضعي يقتضي منهم أن يأخذوا بأحسنِ ما فيه ليقرأوه على ضوء أحسنها شِرعةً ومنهاجاً وطريقة: دين الله تعالى، فيكون لهم بذلك أن يستيقنوا من أن تطورَ الإنسانِ حقيقةٌ لا مِراء فيها، وأن تطوُّرَ الإنسان عن الحيوان هو ليس كلَّ ما حدث في ماضيه فانتهى به إلى ما هو عليه، وأن يدَ الله تعالى تعهَّدت الإنسانَ وتولَّته منذ البداية فصنعته على عينِ الله.

أضف تعليق