ما هي مشكلتي مع العلم الوضعي؟ (2)

ذكرتُ في منشورٍ سابق أن مشكلتي مع العلم الوضعي تتلخص في أن القائمين على هذا العلم قد استبد بعقولهم غرورٌ جعلها عاجزةً عن أن تصدِّق أن “صورة العالم” التي صاغتها هذه العقول هي ليست حقيقتَه! ولذلك فإن مَن يظن ويتوهم أن ما انتهى إليه عقلُه هو “الحقيقة النهائية” لا يُتوقَّع منه أن يقوم بمراجعةٍ لافتراضاته ومُسلَّماته كلما جدَّ ما يستدعي ذلك ويقتضيه من وقائع وأحداث وظواهر لم يكن لها حظٌ في رفد المُعطيات التي استند إليها في صياغته لهذه الحقيقة!

وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى مثال أحاول من خلاله تبيان المدى الذي بلغه العلم الوضعي في تخبُّطه في متاهات وضلالات التَّيه والإعجاب بالذات! فالعلم الوضعي يفترض أن الإنسانَ بتطوُّرِه عن الحيوان قد أصبح إنساناً! وهذا وأيم الحق لا يمتُّ للحق والحقيقة بأية صلة! صحيحٌ أن ما بين الإنسان والحيوان من المشترَكات البايولوجية والفسيولوجية والسايكولوجية ما يجعل من مظنة العلم الوضعي هذه تحظى بالقبول والمصداقية، إلا أن الاقتصار على ملاحظة هذه المشترَكات وإغفال ما يتمايز به الإنسانُ عن الحيوان، لن ينتهي بنا إلا إلى تكوين “تصورٍ غير علمي” عن الإنسان بهذا الذي قمنا به من أخذٍ ببعض مفردات الصورة وإقصاءٍ لمفرداتٍ كثيرة غيرها!

وهكذا يتبيَّن لنا أن القول بتطوُّر الإنسان عن الحيوان لا قدرةَ له على أن يفي ما حدث فجعل من الإنسان إنساناً حقَّه ومستحقّه! فحتى لو ظل الحيوان يتطور ويتطور ويتطور، فلم يكن لتطوره هذا أن ينتهي بالإنسان كما نعرفه! وما هذا إلا لأن ما حدث حقاً وحقيقة لم يكن مجرد تطورٍ حيواني مُسبَّبٍ بأسبابٍ تنتمي لهذا الواقع! وما عجزُ العلم الوضعي عن تبيُّن هذه الحقيقة إلا مظهرٌ آخر من مظاهر إصراره على إخراج الله تعالى من المعادلة! ولو أن العلمَ الوضعي كان حقاً على شيء لما استبعدَ إمكانية أن يكون لـ “تدخلات الله تعالى المباشرة” في مسيرة نشوء وتطور وارتقاء الإنسان يدٌ صاغته وصنعته على عين الله.

أضف تعليق