
فصَّلت لنا سورة يس تفاصيل ما حدثَ في زمانٍ غابر شهِدَ بعثةً أبانَ اللهُ تعالى عن أنها كانت مكونةً من ثلاثةٍ من ملائكتِه الكرام عليهم السلام أرسلهم إلى قومٍ لم يرِد بخصوصِهم شيءٌ في هذه السورة المباركة يُعرِّفُهم بأيةِ دلالةٍ غير تلك التي توافق وتواضع عليها أهلُ الكفرِ والإشراك على مرِّ الزمان وتعاقُب العصور والدهور من تكذيبٍ للرسُل الذين تلخَّصت رسالاتُهم بما مفادُه أن “لا إلهَ إلا الله جامعُ الناسِ ليوم الحسابِ لا ريب فيه”. ولقد كان نصيبُ ملائكة الله تعالى الثلاثة هؤلاء، والذين تمثَّلوا لأولئك القوم بشراً أسوياء، لا يختلفُ على الإطلاق عن نصيبِ مَن جاء قبلهم وبعدهم من رسُلٍ من بني البشر! فلقد كذَّب القومُ رسُلَ الله الكرام هؤلاء تكذيباً لم يفُت في عضدِهِ ما سمعوه من رجلٍ من بني جلدتهم جاء من أقصى المدينةِ يسعى باذلاً كلَّ ما في وسعه ليُبيِّن لهم أن الطريقةَ المثلى تتمثَّلُ باتِّباع رسُل الله الكرام هؤلاء.
ولقد بالغَ القومُ في تكذيبِ رسُل الله الكرام هؤلاء، وفي الإعراض عن الرجُل المؤمن، فما كان من الله تعالى إلا أن أمَر رسُلَه الكرام هؤلاء بأن يُبيدوهم عن بكرةِ أبيهم بلمحِ البصر. ولقد جزى اللهُ الرجلَ المؤمن خير جزاء إذ أمر تعالى ملائكتَه الكرام هؤلاء بأن يصطحبوه معهم إلى جنة المأوى في رحلةِ معراجٍ تُذكِّر بما سبق وحدثَ قبل آلافٍ من السنين لا يعلم مقدارَها إلا الله، وذلك عندما أرسلَ اللهُ تعالى ملائكتَه الكرام لإبادة مَن كان يُفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولاصطحابِ آدمَ وزوجِه إلى ذات الجنة التي أُدخلها مؤمن يس بعد آلافٍ وآلافٍ من السنين.
وهذا هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر ما جاء بهذا الشأن في سورة يس: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ(14)قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ(15)قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ(16)وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(17)قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(18)قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(22)أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ(23)إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ(25)قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(27)وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ(28)إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُون).
