
ينفرد القرآنُ العظيم بذكر ما حدث لسيدنا المسيح عليه السلام بعدما كشف اللهُ تعالى له تفاصيلَ المؤامرة التي حيكت ضدَّه، والتي كانت تقضي بأن يُصار بالنتيجة إلى تصفيته بالاغتيال صلباً على مرأى من الناس. ولقد أسرَّ اللهُ تعالى لعبدِه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام بأنه سيرفعه إليه صحبةَ ملائكةٍ كرامٍ سيوفدهم للقيام بتلك المهمة الجليلة، وأنه سيُدخلُه جنَّتَه التي لا يُدخَلها إلا مَن شاء له اللهُ تعالى أن يكون مع ملائكتِه المقرَّبين من عرشه العظيم: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (52 -من 55 آل عمران).
وقد يُجادِلني البعضُ فيقول: “وما الدليل على صحة ما تقول؟”. يتكفَّل بتأييد ما ذهبتُ إليه أن نتدبَّر ما جاء فيما تقدَّم من آياتٍ كريمة، وعلى وجه التحديد المقطع القرآني الكريم “إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ”. فهذا الرفعُ الإلهي لسيدنا المسيح عليه السلام إلى الله، ما هو إلا رفعٌ إلى جنة الله الأقرب إلى عرشه العظيم، وهو رفعٌ رباني سبق وأن اختُصَّ به سيدُنا إدريس الذي جاء في قرآن الله العظيم ما يفيد بأنه عليه السلام قد رُفع هو الآخر إلى جنة المأوى تلك: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) (56 -57 مريم).
وبذلك يُفنِّدُ القرآنُ العظيم تلك الدعاوى الباطلة التي تذهب إلى أن رفع سيدنا المسيح وسيدنا إدريس عليهما السلام هو رفعة في المكانة وليس رفعاً من مكان إلى مكان آخر!
وهكذا، وفي الوقت الذي كان يتم فيه وضع “الترتيبات النهائية” لاصطحاب المسيح عليه السلام إلى جنة المأوى رفقة ملائكة الله الكرام عليهم السلام، ألقى اللهُ تعالى شبَهَ سيدنا المسيح عليه السلام على مَن تآمر عليه من حوارييه واتفق مع أعدائه على تسليمه لهم فصيَّر اللهُ تعالى وجهَ هذا الخائن مشابهاً لوجه المسيح عليه السلام بتطابقٍ تام لم يستثنِ أيةَ سماتٍ أو قسمات، فكان أن اقتيدَ الخائنُ الشبيه إلى خشبة الصلب وصُلِب على مرأى من الناس (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.. وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (من 157 -158 النساء).
وقبل أن يغادر سيدُنا المسيح عليه السلام كوكبَنا الأرضي رفقة الملائكة الكرام عليهم السلام، أمره اللهُ تعالى بأن يُظهِر نفسَه لنفرٍ من خُلَّص أصحابه وذلك ليكون في ذلك آيةً لهم على أنه لم يُقتَل ولم يُصلَب ولكن شُبِّه لهم. ثم انطلق سيدُنا المسيح عليه السلام في رحلةِ معراجٍ من الأرضِ الظالِم أهلُها إلى جنةِ الله ليقضيَ فيها ما شاء له اللهُ تعالى من عُمُرٍ حتى جاء الأجَل فتوفاهُ اللهُ مصداق قول قرآنه العظيم: (وَالسَّلَامُ عَلَيَ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (33 مريم).
