توفَّى اللهُ المسيحَ حياً يُرزَق

كنت قد تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن خصوصية اللغة القرآنية، وذكرتُ أن لسان القرآن ليس له أن يتطابق بالضرورة مع لساننا الذي اعوجَّ مع مرور الأزمان. كما وتطرقتُ في منشوراتٍ عدة إلى ما ينبغي الأخذُ به من ضوابط ومُحدِّدات ينبغي الاحتكامُ إليها قبل أن نسارع إلى قراءة النَّص القرآني المقدَّس بغير لسانه العربي المبين. وجئتُ حينها بالعديد من الأمثلة القرآنية الجليلة التي يتبيَّن بتدبُّرها البون الشاسع بين المعنى القرآني لهذه الأمثلة، والمعنى الذي شاع فينا وراج جراء قراءتنا للنص القرآني العظيم بلسانٍ عربي معوج.

وكان من بين ما ذكرتُ من هذه الأمثلة القرآنية، كلمة “يتوفى”. فهذه الكلمة القرآنية الجليلة تتعدد معانيها بتعدُّد السياقات التي ترد فيها. صحيحٌ أنها قد ترد في سياقٍ قرآني فيكون معناها هو عينُ ما وقر عندنا من معنى لها وفقاً لعربيتنا الدارجة، إلا أن هذه الكلمة الكريمة تجيءُ أحياناً بمعانٍ أخرى لا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيدٍ على الإطلاق بمعناها الذي هو مرادفٌ لمعنى كلمة “يُميت”. لنتدبَّر الآية الكريمة التالية: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (42 الزمر).

يتبيَّن لنا إذاً بتدبُّر هذه الآية الكريمة أن كلمة “يتوفى” جاءت بمعنيين إثنين “يتضمَّن” أولهما المعنى الدارج، وهو “يُميت”، بينما يُفيد معناها الثاني ما يتقاطع به مع المعنى الأول، وهو “يتسلَّم”. فاللهُ تعالى “يتسلَّم” نفسَ الإنسان حين موتها “تسلُّمه” لها في منامها. وهذا “التسلُّم” هو المعنى القرآني الوحيد لكلمة “التوفِّي”، إلا أن إخفاقَنا في قراءة النصوص القرآنية الكريمة المشتملة على هذه الكلمة الجليلة جعلنا نظن ونتوهم أن التوفِّي هو مرادف الموت!

ولقد جاءنا قرآنُ الله العظيم بما من شأنه أن يُعين على تبيُّن هذا المعنى الذي توارى وتلاشى في غياهب إخفاقاتنا في تدبُّر القرآن العظيم، وذلك في الآية الكريمة (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (37 الأعراف). فهؤلاء الكافرون قد لبثوا في كتاب الله ما شاء لهم اللهُ حتى أتتهم الملائكةُ ليقتادوهم من هذا الكتاب، والذي هو عبارةٌ عن مستودع البرزخ الذي تُحفَظ فيه أنفس موتى البشر، إلى الحساب ومن ثم إلى العذاب. إذاً فكلمة “يتوفونهم” هنا تعني “يتسلَّمونهم”. ومعنى “التسلُّم” هو القاسم المشترك بين كل تنويعات معنى كلمة “يتوفى” في القرآن العظيم.

إذاً فإن عبارة (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) في الآية الكريمة 55 آل عمران، تشيرُ إلى ما حدث من “اصطحاب” ملائكة الله الكرام لسيِّدنا المسيح عليه السلام حياً يُرزق إلى جنة المأوى، والذي حدث بأمر الله وعلى عينِه. فكلمة “متوفِّيك” هنا ليس فيها على الإطلاق أي شيءٍ من معنى “الإماتة”، والذي تبيَّن لنا أعلاه أنه معنى قد أسبغناه نحن بعربيتنا المعوجة على كلمة “يتوفى”. فاللهُ تعالى بيَّن في قرآنه العظيم أن موت الإنسان لا يعني على الإطلاق زواله وتلاشيه طالما كان الله هو “متوفِّيه”، أي متسلِّمه نفساً ستُحفظ في مستودع البرزخ حتى يجيء يوم البعث.

إذاً يتبيَّن لنا بتدبُّر هذا الفرق بين المعنى القرآني لكلمة “يتوفى” ومعناها الدارج، أن لهذه الكلمة القرآنية الجليلة أن تجيء بمعنى “التسلُّم”، فيكون معنى “إني متوفِّيك” هو “إني مُتسلِّمك ومنجِّيك ومنقذك ومطهِّرك” وهو عين ما أشارت إليه الآية الكريمة 55 آل عمران (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا).

وسوف أتحدث إن شاء الله في منشورٍ لاحق عن بعضٍ مما اكتنف معراج سيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام إلى جنة المأوى من خبايا وخفايا.

أضف تعليق