
انتهيتُ في منشوراتٍ سابقة إلى أن العقلَ له أن يتجلى في المادة غير البايولوجية، وأن الحياة لها أن تتجلى تجلياتٍ غيرَ بايولوجية هي الأخرى. وهذا كله غيضٌ من فيضِ علمِ اللهِ تعالى الذي بثَّه في قرآنِه العظيم وجعل الإحاطةَ به مُيسَّرةً لكل مَن تدبَّر آياتِه الكريمة فقرأها بلسانها العربي المبين دون أن تُمازِجَ قراءتَه ظنونٌ وأوهامٌ وتصوراتٌ إن هو ركنَ إليها نأت به بعيداً عن معاني النصوص القرآنية المقدسة. فالقرآنُ العظيم يبيِّن لمتدبِّره ما انطوى عليه نصُّه الإلهي المقدَّس واشتمل من معارفَ وحقائق هي في الغالب الأعم لا تتفق على الإطلاق مع ما وقرَ لدينا من بديهياتٍ ومُسلَّمات وأحكامٍ قاطعة أنزلناها منزلة المقدسات وما هي بمقدسات! فالمادة، وفقاً لما جاءنا به قرآنُ الله العظيم، ميَّزها اللهُ تعالى بـ “عقل” تفوقت به على عقل الإنسان! والحياة، كما يُعلِّمنا القرآن العظيم، لا يقتصر تجلِّيها على ما يظنه العلمُ الوضعي نمطَ تجلِّيها الوحيد: التجلِّي البايولوجي! فالملائكةُ والجن كائناتٌ حية عاقلة وإن كانت تفتقر إلى الكيان البايولوجي الذي انفردت به كائناتٌ أخرى ابتدأ خلق الله تعالى لها من طين.
إلا أن هذا الافتقار إلى “الكينونة البايولوجية” لا يعني أن الملائكة، وكذلك الجن، غيرُ قادرين على أن “يتمثَّلوا” على مثال البشر فيصبح لهم بالتالي كيان بايولوجي لا قدرةَ لآدمي على أن ينظر إليه فيرى فيه ما يدلُّ على الخِلقة الملائكية أو الخِلقة الجنية! ولقد جاء في قرآن الله العظيم ما يفيد بأن الله تعالى أرسل روحه الأمين سيدنا جبريل عليه السلام إلى السيدة مريم عليها السلام فتمثَّل لها بشراً سوياً لا فرق هناك على الإطلاق بينه وبين أي آدمي، كما وجاءنا القرآنُ العظيم أيضاً بأمثلةٍ أخرى لملائكةٍ كرام تمثلوا لأنبياء اللهِ تعالى بشراً أسوياء. فيكفينا أن نستذكر الملائكة الذين أرسلهم اللهُ إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام والذين تمثلوا له بشراً أسوياء حتى أنه أتاهم بعجلٍ حنيذ!!!
وكنتُ قد تحدثتُ في منشورٍ سابق عن “مؤمن يس” الذي جاء من أقصى المدينةِ يسعى ليؤكد لقومه ألا مناص لهم من أن يتبعوا رسل الله الثلاثة حتى تُكتب لهم النجاةُ دنيا وآخرة. ولقد بيَّنت في منشوري ذاك أن أولئك الرسُل الثلاثة كانوا ملائكةً تمثلوا لمن ينظر إليهم بشراً أسوياء. وهذا أمرٌ لا ينبغي أن نسارع إلى إنكاره مظنةَ استحالة تحقُّقه، فالأمرُ ليس لعقولنا حتى تحكم بجواز أو استحالة حدوث الأشياء طالما كان هناك على الدوام من هذه الأشياء ما لا قدرةَ لعقولنا على أن تتعامل معه تعاملها مع أشياء الواقع المألوفة! فاللهُ تعالى بيَّن لنا في قرآنِه العظيم أنه قادرٌ على أن يجعلَ من ملائكته رسلاً يظن الناظرُ إليهم أنهم بشرٌ أسوياء (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (8 -9 الأنعام)
