
انتهيتُ في المنشور السابق إلى أن اللهَ قد أرسلَ ملائكةً على مِثال بني آدم، وذلك بأن تمثَّلوا للناظر إليهم بشراً أسوياء. وإذا كان اللهُ تعالى قادراً على جعل الملائكة يتمثلون للناظر إليهم بشراً أسوياء، فهل هو قادرٌ على أن يجعلَ من البشرِ ملائكة؟
يجيبنا القرآنُ العظيم على هذا السؤال بالإيجاب، وذلك كما يتبيَّن لنا بتدبُّر الآية الكريمة 60 الزخرف (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ). فهذه الآية الكريمة تُنبؤنا بأن اللهَ قادرٌ على أن يجعلَ من يشاءُ من بني آدم ملائكةً في الأرض يخلفون من هم فيها من البشر. وبذلك يتبين لنا بتدبُّر هذه الآية الكريمة، وبتذكُّر قدرة الملائكة على التمثُّل للناظر إليهم بشراً أسوياء، أن قدرةَ اللهِ تعالى غيرُ مُحدَّدة بمُحدِّدات ما يُفرِّق بين هذا النوع من الخلق وذاك. فاللهُ قادرٌ على أن يُصيِّر الملاكَ إنساناً قدرتَه على أن يجعلَ من البشرِ ملائكةً. وهذه كلها جميعاً أمورٌ تفوق قدرةَ العقل البشري على أن يتبيَّنها على ما هي عليه حقاً وحقيقة، وبالتالي فليس له حيالها إلا أن يُسلِّم بها موقناً بأن اللهَ تعالى الذي خلقَ الملائكةَ متمايزين عن البشر قادرٌ على أن يجعلَ الواحدَ منهما يُماثِلُ الآخر فيتمثَّل على هيئته ومثالِه.
