
تسبَّب أكلُ أبوَينا من شجرةِ جنةِ المأوى التي نُهيا عنها في جملةٍ من المصائب والكوارث التي حاقت بذريَّتهما فتحتَّم على كلِّ فردٍ من أفرادها أن يعاني من الشقاء ما لا سبيلَ لإزاحته عن كاهله إلا باتباع هَدي الله الذي هو القادرُ وحده على أن يُبدِّلَ شقاء الإنسان نعماء في هذه الحياة الدنيا، وأن يُحيلَ شقاءَه الأبدي في الآخرة نعيماً لا انقضاء له.
فالإنسانُ عاجزٌ وحده عن الاهتداء بمفرده إلى ما هو كفيلٌ بتخليصه من شقائه الذي قُدِّر عليه أن يعانيه جراء ابتعاده عن الله. وشقاء الإنسان هذا لا سبيل لتبديده إلا باتباع هَدي الله. ولذلك أرسل اللهُ تعالى رُسُلَه الكرام عليهم السلام برسالاته الإلهية وذلك حتى ينتشل الإنسانَ من شقائه ويُخرجه من ظلمات العبودية للنفس والهوى إلى نور العبودية لله. ولأن الإنسانَ ليس مطالباً إلا بأن يتَّبع هَديَ الله كما أنزله على رسُله الكرام عليهم السلام، فإن الالتزام بهذا الهدي لا يقتضي من الإنسان إلا بأن يعملَ على أن يكون حاله مع اللهِ تعالى منضبطاً بضوابط هذا الهَدي الإلهي وهو ليس بالأمر العسير طالما يسَّره اللهُ تعالى فجعله في متناول كلِّ مَن أراد أن يسيرَ على طريق الله تعالى مهتدياً بهديِه الرباني هذا لتُكتب له النجاة دنيا وآخرة.
غير أن لله تعالى رجالاً من عباده عقدوا العزمَ على أن يستزيدوا من العبادات فيرتقوا بها إلى ما يجعل منهم مؤهَّلين للخلاص من كلِّ أثرٍ من آثار تلك الأكلة التي أخرجت آدمَ وزوجِه من جنة المأوى مما جعل من الواحد منهم يسترجع ما كان عليه أبوه آدم قبل تلك الأكلة فيستحق بالتالي أن يقولَ اللهُ تعالى في حقِّه ما قاله في حقِّ سيدنا الخضر عليه السلام: (عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (من 65 الكهف).
ولقد اشتُهِر عن المتصوفة ترديدهم لقولٍ صوفي قديم مفاده: “خُضنا بحراً وقفتِ الأنبياء بساحلِه”. وهذا القول الصوفي الجليل لا ينبغي أن يُحمَل على غير ما تقدَّم من بيان ما شرعه اللهُ تعالى من هديٍ إلهي باتِّباعه تتحقَّق النجاة من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة. فاللهُ تعالى ما كان ليُعسِّر على الإنسان ولا ليشُقَّ عليه إلا بما هو محتاجٌ إليه حتى ينجو من العذاب دنيا وآخرة. وهذا القدر اليسير من اتِّباع الهَدي الإلهي عبادةً وتقوى هو ما جاءت به الأنبياءُ من عند اللهِ تعالى، وهو قدرٌ بمستطاع السواد الأعظم من بني آدم أن يواظبوا عليه حدَّ الإتقان. أما مَن شاء من عباد الله أن يستزيدَ فله ذلك، وبذلك سيُمكَّن بهذه الزيادة في العبادة من أن يخوضَ بحرَ العلم اللدُني الذي وقفت الأنبياءُ بساحله لأن اللهَ تعالى ما أمرهم إلا بأن يقفوا بهذا الساحل ليكونوا الهُداةَ إلى شريعتِهِ والقدوةَ لمن أرادَ من بني آدمَ أن يهتديَ بها لتُكتَب له النجاة في الدنيا والآخرة.
