
انتهيتُ في منشورٍ سابق إلى أن أكل سيدنا آدم عليه السلام من شجرة جنة المأوى جعله يفقد القدرةَ على أن يتلقى من اللهِ تعالى من العلم اللدني ما كان يتلقاه قبل أكله منها. وبذلك أصبح كلُّ ما بوسع سيدنا آدم عليه السلام أن يتلقاه من الله تعالى هو ما هو بمحتاجٍ إليه حتى يتوبَ اللهُ عليه وحتى يكون لذريته من بعده ما يستعينون به في رحلتهم على الطريق إلى الله تعالى (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (37 البقرة)، (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (23 الأعراف).
إذاً فقد أكل الإنسانُ من شجرةِ جنة المأوى فنجمَ عن ذلك فقدانه القدرةَ على تلقي العلم اللدني من لدن الله تعالى. ولقد تحتَّم على بني آدم وجوب أن يشرعوا بالسير على طريق الله تعالى منضبطين بضوابطه ومحدداته الإلهية وذلك حتى يكون لمن صدق اللهَ ما عاهده عليه منهم أن يأملَ بالحصول على ما يؤهله لاسترجاع تلك “المكانة” المتميزة عند الله تعالى، والتي سيُمكَّن بوساطةٍ منها من أن يتلقى من الله تعالى ما شاء له أن يتلقاه من علمٍ لدني.
وبذلك ستتكفلُ الطريقةُ، كما شرعها اللهُ تعالى، بتأهيل مَن صدقَ في سعيه على طريق الله تعالى حتى يكون بمقدوره أن يسترجع ما فقده أبوه آدم بأكله من الشجرة التي نُهي عنها (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (16 الجن).
ولقد أنبأنا القرآنُ العظيم بأن للهِ تعالى عباداً آتاهم رحمةً من عنده وعلَّمهم من لدنه علما (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (65 الكهف). إلا أن ما ينبغي التشديدُ عليه هنا هو أن الطريقَ إلى باب مدينة العلم اللدني ليست بخاليةٍ من الصعاب والمشاق حتى يكون لكلِّ مَن هبَّ ودب أن يأملَ بأن يحظى بشيءٍ من علم الله اللدني! فهذه الطريق تكتنفها المشاق الجِسام وتعتورها الصعاب العِظام ولن يُكتَب إلا لنفرٍ قليلٍ من بني آدم أن يسلكوها بجد واجتهاد وهِمة وإخلاص فتنتهي بهم خطواتهم عليها إلى بابِ مدينة العلم اللدُني.
