
لم يكن لسيدنا إبراهيم عليه السلام أن يُلازِم قومَه الفُسَّاق الفُجار الكُفار من بعد أن أنجاه اللهُ تعالى من نارهم التي جعلها عليه اللهُ برداً وسلاماً (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) (68 -70 الأنبياء).
فلقد عقد سيدُنا إبراهيم عليه السلام العزمَ على أن يهجر قومَه ويعتزلهم مهاجراً إلى ربِّه (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (48 مريم)، (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ. وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين) (98 -99 الصافات)، (وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (من 26 العنكبوت).
وبذلك فلقد تسنى لسيدنا إبراهيم عليه السلام أن يَخبر ما يعنيه أن يكون العبدُ في حمى مولاه الله الذي حاشاه أن يُخيِّب أملَه فيه ورجاه. وهكذا فلقد ارتضى اللهُ تعالى أن يكون سيدُنا إبراهيم عليه السلام صاحبَه وصديقَه وخليلَه (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (من 125 النساء).
ولقد عادَت هذه الصحبة المباركة على سيدنا إبراهيم عليه السلام بما جعل منه في غنى عن كلِّ مخلوق فكان بحق المستغني بالله عن كلِّ من هو سواه وعن كل ما هو سواه. فشرابُ سيدِنا إبراهيم عليه السلام وطعامُه كانا يأتيانه دون اجتهادٍ منه في طلبهما، واللهُ تعالى كان طبيبه ومُداويه فلا حاجة له والحالُ هذه إلى من يُطبِّبُه ويشفيه (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (78 -80 الشعراء). فاللهُ تعالى يرزق من يشاء بغير حساب، أفلم تخبر حفيدةُ سيدنا إبراهيم عليه السلام ذلك الرزق الإلهي الذي أدهش سيدنا زكريا عليها السلام كلما دخل عليها المحراب (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب) (من 37 آل عمران).
إذاً فلقد هجر سيدنا إبراهيم عليه السلام قومَه فهاجر إلى الله فكان حقيقاً على الله أن يتولاه فيكفيه مشقةَ الاجتهاد سعياً وراء لقمة العيش وشربة الماء والحاجة إلى الدواء. فالله تعالى هو المُطعم والساقي والشافي لمن هجر الكل وهاجر إليه.
