
ليس بالأمر غير ذي الدلالة البالغة أن نقرأ في سورة القمر أن اللهَ تعالى كان قد ترك سفينةَ سيدنا نوح عليه السلام آيةً لكلِّ مَن يدَّكر (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (15 القمر). فسورة القمر تبتدئ بتقريرٍ إلهي مفادُه أن الساعةَ قد اقتربت وأنَّ انشقاقَ القمر سيكون علامةً يُستدَل بها على هذا الاقتراب. وانشقاقُ القمر حدثٌ سيكون بمستطاعِ كلِّ مَن على كوكب الأرض أن ينظر إليه فيراه بعينيه المجردتين. وإذا كان انشقاق القمر علامةً سيُستدَل بها على اقتراب الساعة، فإن ورودَ الآية الكريمة التي تفيدُ بأن اللهَ تعالى قد ترك سفينةَ سيدنا نوح عليه السلام آيةً، في هذه السورة المباركة، لابد وأن يكون أمراً يُستدَل به على أن اختفاءَ هذه السفينة لن يطول، وأن ظهورَها من جديد قدرٌ لا مفرَّ منه!
إنَّ إفسادَ الإنسانِ في الأرض حقيقةٌ لا يُماري فيها إلا جاهلٌ أو مَن في قلبه إغراضٌ ومرض. فالإنسانُ أفسدَ الأرض تلويثاً لبيئتها وإشاعةً فيها لكلِّ ما جعلَها تنوء بأعباء الاحتباس الحراري والتغيُّر المناخي. وهذا الذي أفسدُه الإنسانُ في الأرضِ بظلمه وجهالتِه لابد وأن ينتهي إلى ما من شأنه أن يكونَ علامةً أو أكثر من علامات اقتراب الساعة. وإذا كان الاحترارُ العالمي مفردةً من مفرداتِ هذا الإفسادِ البشري في الأرض، فإن له أن يُفضي أيضاً إلى ما سيجعلُ من الإنسان يواجه “الحقيقةَ المُرة” وجهاً لوجه، وذلك لأن هذا الاحترار هو الذي سيُمهِّدُ الطريق لظهور سفينةِ سيدنا نوح عليه السلام من جديد، وذلك بتسبُّبه في ذوبان الثلوج التي اختفت تحتها هذه السفينة المباركة طيلة آلاف الأعوام!
وبذلك يكونُ إفسادُ الإنسان في الأرض بالنتيجة علامةً من علامات اقتراب الساعة، وذلك لأنه سيُمهِّد السبيلَ لظهور سفينة سيدنا نوح عليه السلام من جديد!
وهكذا فإن هذه العودة لسفينة سيدنا نوح عليه السلام من جديد ستجعلنا نُعيدُ قراءة ما جاء بشأن هذه السفينة المباركة في قرآن الله العظيم، وبما يجعل منا ننتهي إلى أن اللهَ تعالى قد ضمَّن فيما قاله لنا عنها ما يُفيدُ بأنها ستعود للظهور من جديد، وأن ظهورها هذا سيكون علامةً من علامات اقتراب الساعة، وذلك مصداق قوله تعالى في الآية الكريمة 15 من سورة العنكبوت (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ).
